الجيش سور للوطن ! 1 .2. د. مهندالبراك

 

                                                                                                                                                    ahmedlada@gmx.net

 

يؤكد العديد من الخبراء و المراقبين الحريصين، على أهمية الإنطلاق من واقع البلاد اليوم، الواقع الذي جعلها تعيش دمار مدن كبرى و هامة فيها، واقع انعدام الخدمات الاساسية لعيش و تأهيل الانسان و عمله و يأتي التأكيد على دور الجيش بعد ان حققت وحداته وقادته النصر على داعش و حرروا  الموصل التي تسبب بفقدانها قادة سياسيون لازالوا هم الحاكمين . . واقع اليوم الذي يفترض بالبلاد و ابنائها ان يعيشوا اعراساً و هي خارجة منتصرة، متهيئة للبناء و الإعمار الذي يوفر مئات آلاف فرص عمل، و يعمل على حل مشكلة ملايين النازحين و المهجّرين في ظروف مالية و معيشية تزداد شقاءً.

في ظروف مطلوب فيها من البلاد و ابنائها استكمال النصر العسكري على داعش في مناطق تتمترس فيها فلوله و في اخرى بدأت تظهر و تنشط مجاميعه الإرهابية و تصعّد من اعمالها الإجرامية ، مستغلة فوضى الدولة و مؤسساتها التي غلب على مسؤوليها الفساد و تحكّم .  . في وقت تُجمع فيه الغالبية الساحقة من مواطني و مواطنات البلاد و بشهادة انتفاضة اكتوبر الشبابية الباسلة و تضحياتها الغالية، بأن الحياة الطبيعية لن تعود للبلاد الاّ بإعادة بناء مؤسسات الحكم على اساس المواطنة و الدولة المدنية الفدرالية المتطورة، على الاسس السليمة التي يجري العمل بها في دول العالم المتحضرة الساعية لخدمة ابنائها .  .

و بعيداَ عن التفاصيل التأريخية و الأكاديمية لتطوّر دور الجيش و القوات المسلحة في الدولة . . لابد من الإشارة الى ان دور الجيش في الدولة الدستورية الحديثة و في ظروف البلاد آنفة الذكر، يتلخص بكونه مؤسسة مهنية تحافظ على امن و سلامة البلاد بمكوّناتها وفق الدستور الذي صوّت عليه الشعب و قدّم الضحايا في الإنتخابات التشريعية، و أتُّفق على خطوطة الاساسية و على تعديل عدد من فقراته حينها و يضاف على التعديلات، تحقيق المطالب المشروعة التي يطالب بها المتظاهرون لتثبيت حقوق المواطن الذي يهان و تداس مطاليبه و حياته.

و لابد من التاكيد على ان الجيش لايتدخّل بالسياسة لصالح حزب و مكوّن ما و انما يدافع عن استقلال و سلامة الوطن و عن مكوّنات البلاد وفق ما مرسوم له في الدستور، و الجيش في العادة و للضرورة يتّبع نظام الخدمة العسكرية الألزامية الذي يلتزم به كل المواطنين مهما كان دينهم او مذهبهم او قوميتهم كبدل وفاء لدوره الدفاعي عن وطن الجميع.

و فيما وحّدت المعارك الضارية للجيش و القوات المسلحة و بانواع مكونات البلاد و الوحدات الوطنية من الحشد التي تأتمر بالاوامر و المراجع العراقية، و وحدات البيشمركة الشجاعة و العشائر الباسلة و سالت دماء المقاتلين في مواقع القتال معاً ، اثبت الإنتصار على داعش مجدداً . . اهمية وحدة العراقيين في تحقيق الإنتصارات للدفاع عن وطنهم و تمريغ انف المعتدي من جهة، و حقق تكوّن عقيدته العسكرية الأساسية و هي القضاء على الإرهاب و على الطائفية و العرقية من جهة، و ليس بانتصار مكوّن او طائفة على اخرى، من جهة أخرى .

فإن الجيوش في البلدان الدستورية تلعب دوراً هاماً في تحقيق التآخي لأبناء مكوناتها من خلال السلوك اليومي المحدد بقوانين، في المأكل و الملبس و التدريب اليومي سواء العسكري او المهني في المهن التي يحتاجها الجيش ـ و بالتالي عموم البلاد ـ في الميكانيك و السمكرة و التصليح و الطبابة و الطبخ اضافة الى الرياضة . . رغم درجات من وصوليات و حماس قسم لدعم ابناء مكوّنهم كإنعكاس لأوضاع المجتمع و بحدود لا تشكّل خطراً على السلامة الوطنية، التي لايمكن قياسها بخطورة مايجري في المجتمع الآن، و التي يمكن تحجيمها و القضاء عليها بالرقابة الدائمة وفق قوانين صارمة تراعي الروح الإنسانية . .

و فيما دافعت وحدات كثيرة من الجيش عن حياة و سلامة المتظاهرين السلميين بوجه الوحدات المجرمة التي تصدّت لهم بالقناصين و بانواع الاسلحة غير المألوفة في (حفظ النظام)، التي واجهت ابناء الجيش بذات الاسلحة و اختلطت دماء المتظاهرين بدماء الجنود . 

و لابد من التذكير بان اعادة بناء الجيش على اساس المواطنة التي رفعت كفائته القتالية، فإنه شكّل و يشكّل ردّاً هاماً على المحاصصة التي قسّمت المجتمع و قسّمت قواته المسلحة، و يشكّل وقوفاً حازماً امام مسعى اوساط متنفذة و اسماء علنية لم تعد خافية، مسعاهم الى سيادة الميليشيات الموالية لهم و لولاية الفقيه الايرانية، سيادتها على الجيش العراقي .  .  موظفين اسم (الحشد الشعبي)، الذي تشكّل اثر تحريفهم لفتوى السيد السيستاني و دعوته للالتحاق بالوحدات العسكرية، لأجل الوقوف امام خطر داعش، و برفعهم  المنافق لرايات الشهيد الحسين بن علي، لتمرير مآربهم . .

سعيهم لجعل الميليشيات كبديل عن الجيش العراقي، وفق تصريحات وجوههم المباشرة و غير المباشرة في اجهزة و وسائل الإعلام العراقية و العربية و وفق احاديثهم في مجالسهم . . و بسرقة انتصارات الوحدات البطلة للحشد الشعبي التي استجابت حينها لفتوى المرجعية العليا، و التي قاتلت بضرارة و ساعدت الجيش على الانتصار على داعش .  . و هم في محاولة تجيير الانتصارات للميليشيات غير المنضبطة، نشطوا و ينشطون في سوء معاملة جرحى تلك الوحدات و شهدائها و مخصصاتها المالية و تجهيزاتها، كما تتناقل الصحف و المواقع .  .

و يشير عاملون في مؤسسة الحشد الى ان غالبية قيادات الحشد الرسمي لاتبالي بما سيحدث تسلطها في البلاد و اهلها و شبابها المنكوب من تفاعلات و ردود افعال حتى من الدول الاقليمية و القوى الدولية التي لاتؤدي الاّ الى تفاقم حدّة التطرف الطائفي من جهة، و تفاقم التطرف في صراع الشعب و شبابه مع الدولة اللادولة التحاصصية و ميليشياتها.

لأنهم غير واعون للتطورات المتواصلة دولياً و اقليمياً، و التي تزداد تفاعلاً و تشابكاً، و لم تعد تشبه اوضاعها في زمن نجاح الثورة الإيرانية و استلام السيد الخميني قيادة الدولة حينها و تأسيسه الدولة الإسلامية على اساس ولاية الفقيه و حكم طائفة اسلامية بعينها و تشكيل حرس الثورة السباه باسداران هناك.

ان مواقف الجنود و تعاطفهم و اسنادهم للمتظاهرين الابطال، جاءت من تكوّن الجيش على الاسس المذكورة اعلاه، و هو الرد على كل من يتصور ان دور الجيش في وحدة البلاد هو القضاء على  الشقيق و ابن الوطن و على من يختلف من مكوّناته، بالسلاح و العنف، لأن بنائه و تكوّنه يفرض : الايمان بالتعددية النابعة من تعدد انتماءات ابنائه، على اساس التعايش معاً في الوطن الواحد، و نبذ التكفير.

ان جهود منتسبي الجيش و ضباطه، لتقليل مخاطر الميليشيات الطائفية تلتقي بمطالب المتظاهرين الداعين الى انهاء الميليشيات الطائفية المسلحة الناشطة الآن باسم (الحشد)، و تسليم الأسلحة للقوات الحكومية و التحاق المؤهلين منهم بالجيش كأفراد، و ليس كمؤسسة تسيطر على الجيش و تُبعد المخلصين من ابنائه على غرار ماحصل في الجارة ايران، حين صار (حرس الثورة الاسلامية) هو جيش البلاد (العقائدي).

فيرى الكثيرون ان انهاء الميليشيات و الحاق افرادها بالجيش و القوات المسلحة النظامية، لايمكن ان يتم بازاحة قادة الجيش المشهود ببسالتهم و دفاعهم عن البلاد في الخطوب و تجميدهم او احالتهم على التقاعد كما تم مع الشخصية العسكرية البارزة الفريق عبد الوهاب الساعدي قائد عمليات تحرير بيجي و تكريت و الفلوجة من الارهابيين، الذي يحضى بشعبية واسعة بين اوسع الاوساط الشعبية، و ما تم مع زملائه من كبار الضباط ، الذين تشهد لهم ساحات المعارك الدموية ضد داعش بالبسالة و الإخلاص للوطن و صاروا رموزاً وطنية في القضاء على (دولة داعش) الاجرامية و حصلوا على اعلى الاوسمة الدولية في محاربة الارهاب .  . و احلال قادة ميليشيات طائفية غير مؤهلين لا عسكرياً و لا علمياً اجتماعياً مكانهم . .

باسلوب يذكّر بما عملته الدكتاتورية في بداية سيطرتها على الجيش لتأسيس (جيشها العقائدي) حينها، باحلال ضباط الوجبات الخاصة من حاملي (الموس و نص الموس)، بدل الضباط الاصليين، و بصلاحيات اكبر من رتبهم. فالامر الجاري لايتم وفق القوانين العسكرية الحكومية بعد تقديم الطلبات ثم الموافقات و تقدير و اقرار ماهية الرتب العسكرية التي يستحقوها.

من جهة اخرى، وضعت المعارك القاسية التي خاضها الجيش و بيشمركة كردستان كتفاً لكتف و سالت دمائهما الزكية معاً لأول مرة في خنادق مقاتلة داعش الإجرامية . . وضعت اسساً متينة للأخوة العربية الكردية في الدولة الفدرالية و للآفاق. في وقت يرى فيه الخبراء و المجربون المحايدون ، ان قوة الجيش ببنائه على اساس المواطنة و تساوي المواطنين في الحقوق و الواجبات على اساس الإنتماء لهوية البلاد . . هو الاساس و التعزيز لبناء دولة المواطنة المدنية القائمة على اساس الإنتماء للأرض الواحدة.

ان الجماهير لاتنسى و قفات جيش العراق المبني على المواطنة، في الدفاع عن وثبات و انتفاضات شعبنا الاعزل و منذ الزمان الملكي، و لاتنسى انه و رغم كل تشويهات الدكتاتور و قوانين اعداماته و تنظيماته الخاصة و فرق اعداماته بحق ابناء الجيش، انه هو الذي ولد ذلك العسكري الشجاع الذي رشّ جدارية صدام العار في ساحة سعد في البصرة ، و اشعل بذلك انتفاضة ربيع 1991 التي عمّت محافظات البلاد كلّها .  .  

                 ان شعبنا اليوم ينتظر تلاحم الجيش مع الشعب، ينتظر دفاع وحداته عن متظاهري الشعب السلميين العزّل من اجل الحق بالعيش الكريم !

 

24 / 10 / 2019 ، مهند البراك