قراءة في ديوان الميلاد والموت للشاعر ابراهيم يلدا ابراهيم – بقلم نزار حنا الديراني

مدخل

إبراهيم يلدا وقصيدة الشعر الحر

((ناقد ، باحث ، مترجم ، شاعر عراقي  )

***

قد يكون من الصعوبة تحديد تاريخ الشعر السرياني لوجود حلقات مفقودة في تاريخه العريق ، رغم أن الخط السرياني (الأرامي) واللغة السريانية (الأرامية) كانت متداولة منذ نهاية القرن العاشر قبل الميلاد إلا أن أقدم نص أدبي عُثِر عليه يعود الى القرن السابع قبل الميلاد وهي تحفة رائعة من الأدب ألا وهي قصة أحيقار ( كاتب الملك الاشوري سنحاريب وحامل أختامه ) . أُكتُشِفَ النص الأصلي في جزيرة الفيلة (الفنتين) قرب أسوان ( مصر ) وهي تعود الى سنة 680 ق مُدَون بالحرف السرياني (الأرامي) وعلى إحدى عشرة ورقة من البردي ..

  • إلا أن أقدم نص شعري هو ما أشار إليهِ الكاتب أنطون التكريتي ( القرن التاسع الميلادي) في كتابه ( علم الفصاحة[1]) وكان للشاعر وفا الأرامي رغم أنه لم يحدد حتى الأن تاريخ ميلاده إلا أنه أغلب الظن عاش قبل ميلاد السيد المسيح ويذهب أنطون التكريتي في تعليقه على النص أن أساس الوزن لدى وفا كان اللحن بدلا من قواعد جاهزة لذا ازدادت حركة أو أكثر في مكان ما وقلت في الاخرى وهذا سببه اللحن الذي لا يزن الوزن كما يقول بصورة دقيقة[2] , إلا أنه من خلال دراستنا للنص[3] ومقارنته بموشحات سليمان وقصائد فطاحلة الشعر السرياني يحق لنا أن نصنفه ضمن شعراء قصيدة النثر وربما يصنفه أخرون ضمن قصيدة الشعر الحر استنادا إلى تعريفنا لكل منهما ، وذلك لأن وفا وكاتب موشحات سليمان الـ (42) كلاهما استخدم أكثر من بحر في القصيدة
  • وبعكس ما استُخدِم لاحقا عند مار أفرام ومن بعده في القصيدة الموزونة بالوزن المركب لاستخدامهم أكثر من بحر ولكن على فترات منتظمة  , أعني أن يكون البيت الاول والثاني على بحر معين كان يكون على البحر المتوسط (خمس حركات) ويكون البيت الثالث والرابع على بحر آخر ليكن البحر المزدوج ( الافرامي  سبع حركات )
  • وهكذ يكون البيت الخامس والسادس على البحر المتوسط ويكون السابع والثامن على البحر المزدوج …
  • وكانت أول ثورة في الشعر هي التي أحدثها الشاعر برديصان (المولود سنة 154 م ) حين أخضع القصيدة السريانية الى الوزن الكلاسيكي المحدد ليؤهله تلقين قصائده لجوقات تردد وترتل قصائده في شوارع أورهاي ( أورفا حاليا – جنوب تركيا ) واستمرت على نفس المنوال من مار افرم مرورا  بنرساي والسروجي وبالاي  وقورلونا … وابن العبري والصوباوي وكوركيس وردا … انتهاء  لدى العديد من شعرائنا في يومنا هذا من بينهم شاعرنا  ابراهيم يلدا  الذي استخدم هو الآخر الأسلوب التقليدي في البعض من قصائده … وكذلك يمكن اعتبار ما أقدم عليه الشاعر مار افرام  في تفكيك البنية الكلية للقصيدة ليحولها الى مقطوعات شعرية تشبه الأرجوزة  , حداثة أخرى وهكذا …
  • بمعنى آخر لا يمكن اختزال الحداثة في وقت محدد فلكل عهد حداثته وتجديده ، وهي موجودة في كل مجتمع وزمان ، حتى وإن اختلفت من مجتمع لاخر أو من جيل لاخر , أقصد في بعض جوانب الحياة ، فيمكن اعتبار برديصان ومار افرام  واخرون من المحدثين في القصيدة  كل بطريقته الخاصة وما يلائم عصره …
  • أما ما يخص قصيدة الشعر الحر من الصعوبة تحديد مسارها أسوة بقصيدة النثر وأسبقيتها لعدم وجود مصادر بين أيدينا وخصوصا شعراء ايران وسوريا ولبنان ومصر والهند وبلدان المهجر لأن قصيدة الشاعر سركيس بنيامين يوسف ـ من سانت بطرسبورغ ـ روسيا ( ܙܡܪܬܐ ܕܝܡܐ ـ اغنية الام) المنشورة في جريدة كوكب الفجر سنة 1910 وهي قصيدة جميلة فيها نفحة نثرية وخصوصا من حيث الشكل .
  •  وقد سار من بعده آخرون مثل  الشاعر نيوكتيني وردا (روسيا) . وركبت القصيدة مركب الحداثة منذ الخمسينات في ايران حين فجر كل من الشاعر افرام د. يوسف وميشائيل بيت بطرس وربما آخرون  البيت الشعري والشكل التقليدي للقصيدة , حين فجروا وحدتهم البنائية ليخطوا خطوتهم الأولى تجاه الحداثة ليحلوا ساحتي قصيدة الشعر الحر او قصيدة النثر. إلا أن اقحام البعض منها بالسردية وغياب الغنائية في القصيدة جردتها من فعل الحداثة الحقيقية ومن شاعريتها عكس قصيدة ܡܬܠܐ ـ المثال للشاعر افرام د. يوسف الذي تخلص من الأسلوب السردي من خلال التكثيف.
  • وفي لبنان التي تعتبر إحدى معاقل الحداثة في القصيدة العربية لا بد أن تشهد حركة حداثية لدى الشعراء السريان إلا أننا لقلة المصادر لا يمكننا الدخول إلى هذا المعقل رغم أن قصيدة الشاعر فولس كبريال (في الستينات) خير دليل على ذلك ، حيث نجده يستخدم في قصيدته أسلوب قصيدة النثر فضلا عن استخدامه الإيقاع الصوتي والقافية الداخلية , أعني في نهاية الجملة .
  • وفي العراق ، معقل قصيدة الشعر الحر ـ يعتبر الخوري افرام جرجيس الخوري (1903-1985) أول من اقتحم الساحة في شعرنا بقصيدته الموسومة ( ܙܒ݂ܢܐ ܗܘ ܡܟܝܠ ܢܬܬܥܝܖ ـ الزمن الذي يستيقظ الآن) والمنشورة في (النشرة السريانية عدد 9 سنة 1949) والتي سماها الشاعر بـ (الشعر الحر) إلا أني أصنفها ضمن باكورة قصيدة النثر من حيث الشكل رغم أنها قد خلت من  الكثير من معالم الحداثة من حيث المضمون واللغة، وبهذا يكون الخوري افرام قد ركب مركب قصيدة الشعر الحر تزامنا مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ، ولكن ليس بمستواهم ـ لأن المناخ الذي توفر للقصيدة العربية لم يتوفر للقصيدة السريانية وحتى يومنا هذا .
  • واعتمادا على ما وصل الينا من المطبوع المنشور نقول:
  • تعتبر قصيدة (الموت والميلاد) المنشورة في مجلة المثقف الاثوري حزيران -1973 للشاعر ابراهيم يلدا باكورة قصيدة الشعر الحر ، وفي 9/6/1974 نشر بنيامين حداد قصيدتيه ( لحن الى حزيران ) و( زرعنا لا يذبل ) في 25/ 8/ 1974 في الصفحة الأشورية من جريدة التآخي استنادا الى كشافه المنشور في مجلة الكاتب السرياني (15-16 في 1991) والتي سماها بالشعر الحر وبعدها أي في منتصف 1975 نشر قصيدته المشهورة ( شاعر أنا) في مجلة الصوت السرياني وبأسلوب يختلف عن أسلوب ابراهيم يلدا الذي اعتمد على الدعامة كأساس الوزن أي سكب ما لديه من الدعامات على أرض واسعة، أحيانا يتكون البيت من دعامة واحدة وفي الاخرى من دعامتين أو اكثر وجميع هذه الدعامات تكون متساوية الوزن كما لاحظنا في قصيدته المنشورة في المجلة المذكورة وفي كتابه هذا ( الموت والميلاد).
  • وليس غريبا أن يكون شاعرنا ابراهيم يلدا المولود في الحبانية حيث ملتقى الثقافات ( أعني الجالية الاثورية التي كانت تعيش فيها جنبا إلى جنب الجيش الانكليزي والعرب ) فضلا عن كونه خريج معهد اللغات العالي من جامعة بغداد ومن ثم خريج جامعة ليفربول ـ بريطانيا ـ من مدشني الحداثة …
  • يمكن تلخيص خصائص الحداثة عند الشاعر ابراهيم يلدا في ثلاث اتجاهات وهي :
  • – الاتجاه الإيقاعي ويمكن القول إن هذا الإتجاه كان نقطة الانطلاق للدخول إلى مرحلة الحداثة، حيث حاول الشاعر التحرر من سلطان الوزن والقافية كرد فعل للملل الذي انتاب الشعر فترك للبيت حرية اختيار حجمه معتمداً على الجو العام للقصيدة ونفسية الشاعر أو ظروفه ، فقد يكون البيت عبارة عن دعامة واحدة  أو اكثر بمعنى الارتكاز على الدعامة لتكون وحدة  للوزن الموسيقي، ومن دون أن يتقيد بعدد ثابت من الدعامات في الاسطر الشعرية.  أي يسكب ما لديه من الدعامات على أرض واسعة، أحيانا يتكون البيت من دعامة واحدة وفي الاخرى من دعامتين أو أكثر وجميع هذه الدعامات تكون متساوية الوزن كما نجد في قصيدته (الموت والميلاد) حيث يقول :
  • نجده يستخدم الدعامة السباعيىة والتي تشكل الوزن المزدوج إلا أن الشاعر يوظفها بموجب ما يتطلبه البيت بمقطع واحد ( سبعة حركات ) أو مقطعين ( 7+7) وبشكل غير محدد , أي أن الفكرة هي التي تحدد لنفسها شكل البيت الشعري .
  • بالحقيقة كانت التفاتة ذكية من الشاعر حين اتكأ على الدعامة في بنائه الشعري والتي وفرت له مساحة واسعة يستطيع الشاعر التحرك من خلالها عكس الشاعر الخوري افرام جرجيس الذي استخدم أكثر من بحر في قصيدته الأنفة الذكر ( ولكن أيضا بشكل غير محدد ) مما شلت من حركته بعض الشئ .
  • نجد شاعرنا يفجر الوحدة البنائية للقصيدة التي تمثل صرحها وتحدد هويتها الايقاعية ( كونها اللبنة المتجانسة في بناء صرح القصيدة ) ليحولها إلى مقاطع صوتية ومن اجل ردم هذه الفجوات او عدم التماثل استخدم الشاعر بعض الخصائص كالنبر والايقاع والنغم والصمت (…) لتكون بمثابة الربط بين مفاصله او دعاماته .
  • ويأخذ الصوت مجالا واسعا في قصائده الدرامية ، فيستخدم الصوت كوسيلة لإيقاظ القارئ ولفت انتباهه إلى الحدث الذي هو في كثير من الأحيان مأساة أمته :
  • ܘܡܪܗ ܫܡܫܐ ܕܐܠܗܐ قالت شمس الله
  • الإيقاع جاء من خلال استخدامه التماثل الوزني بين الجمل وكذلك القافية الداخلية والخارجية .
  • -الاتجاه الثاني هو الاتجاه اللغوي فاللغة لديه لم تعد لغة تعبيرية موصلة  للفكرة ذات مفردات  قاموسية بل هي لغة متفجرة خالقة  فهي اي اللغة لم تعد لديه الدلالات الموروثة إنما تحاول صياغة دلالتها عبر أنساقها النصية الحديثة ، لأن لغة الشعر ليست لغة تعبيرية  بقدر ما هي لغة خلق .
  • ولما كان لزاما على الشاعر أن يلتزم بسلوك لغوي وشكلي يمكنه من صياغة عالمه الشعري الخاص به وتشكيل رؤيته الذاتية ليتمكن حينئذ من سبر الذات التي أصبحت بؤرة للتفاعلات الكونية اختار الصراع بين الولادة والموت من أجل تمكينه من التعبير عن الذات الجديدة . ولتعكس التحولات الناشطة في عالم متحول ، يستوجب التعبير عن حالات التمزق والانشطار الدرامي بما يعيشه في واقعه وهذا ما سنسميه بالاتجاه الثالث الذي هو الاتجاه الدلالي الموضوعاتي.
  • ويمكن أن نلمس ذلك من خلال الجنوح نحو الأسطورة، والرمز، والتراث الشعبي، والإشارات التاريخية التي يعبر بها الشاعر على مشاعره الخاصة أو ميوله السياسية . وقد أجاد الشاعر في ربط رموزه بالحاضر لأنه كان يعي أن قيمة هذه الرموز أو الاساطير تكون في قوتها التعبيرية النابعة منها  لا في قدمها .
  • وهذا الربط هو الذي وفر له مجالا واسعا يتحرك فيه والذي يتجلى بالصراع بين الموت والميلاد ، البكاء والضحك … وهذا ما حمل الشاعر أجواء درامية مشحونة بالتوتر والقلق والضياع والرحيل الدائم .

وأول ما يواجهنا في هذا العمل العنوان ” الموت والميلاد ” والذي هو عنوان لاحدى قصائد المجموعة .

في قصيدته (نيسان) يتحول هذا الشهر إلى رمز يجمع بين طياته المتناقضات ( الموت والميلاد ، العطاء والخراب ، الفرح والحزن،…) فالحياة عنده هي الموت والميلاد ، صيف وشتاء ، أسود وأبيض..) كما يقول :

ܚܝܝܝ  ܐܝܢܐ ܚܡܐ ܘܩܪܬܐ

ܕܩܝܜܐ ܘܣܬܘܐ ܕܠܐ ܢܝܣܢܐ

حياتي هي حر وبرد

صيف وشتاء بلا ربيع

وهكذا في قصيدته الموت والميلاد حيث مجال الصراع  لديه هو بين البحر واليابسة، الليل والنهار ، الحياة والموت …

سنصل اليابسة

ونحيا لوحدنا

لزمن قصبر

إلى أن تشرق الشمس

إلى أن تنبع الروح

في  الأرض التي نزرعها

إلى أن نرفع الجدار ونبني البيت

الى ان نبدأ من جديد

ونتامل في الغد  الاتي

وهكذا في قصيدته  مرثية الى شميرام والتي يقول فيها :

الشابة كانت تبكي … تبكي بمرارة

الشابة كانت تضحك .. تضحك بصوت عال

أو في قصيدته (اذا اخطأتك عيناك ) و .. وغيرها.

ومن الوسائل المميزة في قصائد الشاعر هي احتوائها في نصها الشعري على حوار، كونه يشتغل ضمن قصيدة الدراما والتي هي عبارة عن حوار ذات شخص واحد. ففي القصيدة ( مرثية الى شميرام ) يكون الحوار بين الشابة والشمس، حين تلوم الشابة الشمس وتسألها لماذا لم تشرق  في الماضي، في أكواخ اليتامى …

ܒܚܕܐ ܡܙܬܐ ܬܠܝܬܐ

ܒܬ ܡܜܝ ܠܒܪܙܐ

ܘܒܢܫܩܝ ܠܡܗܘܪܝܫܐ

بشعرة معلقة

سيصلون اليابسة

ويقبلون الفجر

 

وكذلك:

ܘܗܘܐܠܗ ܒܐܡܪܐ :

ܐܝܬܗܘܐ ܚܕܐ ܝܘܢܐ

ܗܐ …

ܐܝܬܗܘܐ ܝܘܢܐ

ܗܝ ܝܘܢܐ ܕܦܪܚܠܗ

ܠܡܬܘܝܐ ܫܚܕܐ …

 

هناك حركة وحوار ، حركة للزمان وحركة للمكان .. الشاعر يتحرك من خلال رموز ، من بينها ( الموت ، الميلاد ، الماء ، الشمس ، التراب ) الأمر الذي أدى بقصائده أن تقترب من النزعة الدرامية التي إُتيِحَت لها قدرة واضحة على الإستيطان النفسي والحوار الداخلي وهيأت لها فرصة الخروج ولو بعض الشئ  من جو الغنائية الى جو الحكاية المسرحية ، فبنى رؤيته وصوره على الموت والميلاد فأصبح  محورا لبناء رؤاه وتطلعاته للمستقبل . وفي قصيدة الموت والميلاد ، يكون الحوار بين الشاب وحبيبته .

وفي قصيدته إن أخطأتك عيناك يكون الحوار موجها إلى الأم وهكذا …

حيث تعتبر صوره مشاهد درامية.

ففي قصيدته الموت والميلاد يزاوج الشاعر من خلالها بين دلالاته الذاتية وأسطورة الطوفان التي تعتبر محطة الخلاص لدى الشاعر فيقول :

 

وبدأ يقول:

كانت هناك حمامة

نعم ..

حمامة

تلك التي طارت

كي تاتي بالبشرى

 

فالفعل الحكائي في القصيدة جاء من خلال تكراره لبعض الجمل

مثل :

ܘܗܕܟܐ ܡܫܘܪܐܠܗ ..                  هكذا بدأ                      مرتان        ܘܗܘܐܠܗ ܒܐܡܪܐ          بدأ يقول                4  مرات

ܫܡܥ ܥܠܝ ܚܠܝܬܝ                       انصتي ايتها الحبيبة   مرتان

ܫܒܘܩ ܠܝ ܕܬܢܢ ܠܟ݂ܝ        دعيني اقص عليك   مرة واحدة

من الملاحظ على القصيدة ، أن الفعل الروائي هو الغالب وليس الفعل الغنائي . ومن أجل كسر السردية في قصيدته نراه يكرر بعض هذه الجمل ، فضلا عن استخدامه لبعض الايقاعات الصوتية من خلال القافية والتماثل الصوتي كقوله:

ܨܗܝܐ ܘܫܢܬܢ̈ܐ ، ܪܚܝܩܐ ܡܢ ܒܗܪܐ ، ܟܝܬܐ ܡܐܝܟ݂ ܢܗܪܐ،

ܕܩܝܜܐ ܚܡܢܐ ، ܘܦܓ݂ܪܚ݂ܝ ܫܦܝܪܐ ، ܚܕܝܪܐ ܠܐܝܠܢܐ

عطشان ونعسان ، بعيد عن الضوء ، يابس كالنهر ، وصيف حار ،

وجسدك الجميل ، ملتف على الشجر

كما نجده يستخدم القافية الداخلية من خلال (ܫܢܬܢܐ ، ܚܡܢܐ ، ܐܝܠܢܐ ) (ܒܗܪܐ ، ܢܗܪܐ ، ܫܦܝܪܐ)

وكذا الحال في قصيدته (ܐܘܠܝܬܐ ܩܐ ܫܡܝܪܡ ) نجد هناك ثلاثة رموز تكون الأساس في لون القصيدة ونسيجها ( الماء ، الشمس ، التراب) هذه الرموز تتسع كثيرا لتستوعب مجال  اشتغال الشاعر ( الموت والميلاد ، الفرح والحزن ، الظلام والضياء ، العطاء والسلب ، …) وهي تحتضن المتناقضات بين طياتها الواسعة ، هذه الثلاثية تتحد تارة لتكون الخيمة التي تجتمع تحتها كل مظاهر الميلاد.

 

ܡܝܐ ܘܫܡܫܐ ܥܡ ܥܦܪܐ

ܬܠܝܬܝܘܬܐ ܩܕܝܫܬܐ

الماء والشمس والتراب

الثالوث المقدس

 

 

ومرة أخرى تجتمع وبفعل الرياح تبرز مظاهر الموت من جديد تحت هذه الخيمة:

ܢܦܠܗ ܚܡܬܐ ܥܠ ܐܪܥܐ       وقعت الشابة على الارض

وفي قصيدته (نيسان) يتحول هذا الشهر الى رمز يجمع بين طياته المتناقضات (الموت والميلاد ، العطاء والخراب ، الفرح والحزن ، ..)

 

فشهر نيسان الذي كان يُحتَفل به في بلاد الرافدين كرأس السنة البابلية الاشورية (عيد اكيتو) فهو رمزا للعطاء والفرح .. إلا أن هذا الرمز في نظر الشاعر واستنادا للأساطير كان السبب في مأساة أمته منذ سقوط نينوى :

 

ܢܝܣܢ …

ܕܒܝܘܟ ܢܢܘܐ ܚܙܐܠܗ ܡܘܬܐ

ܠܐܒ݂ܗܬܝ݂ ܡܢ ܓܒ ܜܒ݂ܬܐ

 

نيسان ..

فيك وجدت نينوى الموت

لاجدادي بدلا من العافية

 

 

واختصر الزمن لدى الشاعر بفصلي الصيف والشتاء لالغائه فصلي الربيع والخريف، فالحياة عنده هي الموت والميلاد ، الصيف والشتاء ، الأسود والأبيض ، .. )

حياتي هي حر وبرد

صيف وشتاء  بلا ربيع

إلا  أن الموت ( اللون الأسود والحزن والخراب ) هو الطاغي في شهر نيسان ، فتحول هذا الشهر من رمز الحب والميلاد إلى رمز الموت والخراب ، لأن التاريخ الذي يبدأ من شهر نيسان  لم ينصف شعبه,  كما يقول في نيسان :

في كل حقل زرعنا الحنطة

ولكن الاخرين حصدوه

***

[1]علم الفصاحة ـ تأليف العلامة انطون التكريتي (البليغ) ـ القرن التاسع / ترجمة المطران صليبا شمعون ـ منشورات دار المشرق 2014 ، وكذلك مخطوطة الرهبنة الانطونية الهرمزدية ـ بغداد .

[2] فن الفصاحة ـ انطون البليغ ترجمة المطران صليبا شمعون ص152 القانون العاشر .

[3]  لاحظ كتابنا اوزان الشعر والحلقات المفقودة ـ دراسة مقارنة بين الشعر السرياني والعربي والكوردي و… المنشور في دمشق ـ دار الامل الجديدة 2016 .