حقيقة وواقع اقتصاد كوردستان مِن أيام هابيل وقابيل إلى عهد قوباد ونَچير؟ محمد مندلاوي

 

كوردستان؛ الأرض التي حباها الخالق بنعمة الطبيعة الغنية والخلابة، فلذا أوجد فيها كل المفردات التي يحتاجها الإنسان لإدامة حياته اليومية وفي مقدمتها المياه الوفيرة التي هي عماد الحياة على كوكبنا الأرضي. للعلم، أن غالبية مياه الكيانات…التي تحيط بكوردستان، كإيران، والعراق، وسوريا الخ تأتي من مرتفعات جبال كوردستان الشاهقة، كدجلة، والفرات، وگڵال، وآراس، وكارون، الخ، وهكذا روافد هذه الأنهر الكبيرة هي الأخرى تأتي من أعماق كوردستان وتتصل بها في مسيرتها نحو الأراضي المنخفضة، كسيروان، والزاب الكبير (زابی گەورە)، والزاب الصغير (زابی بچوک)، وخابور، وچقچق، وألوند (ئەڵوەند)، وتانجرو الخ الخ الخ. إن هذه الخاصية التي تمتاز بها كوردستان دون غيرها هي التي جعلتها مهداً للبشرية؟. عزيزي المتابع، بما أن الماء رمزاً لاستمرارية حياة الإنسان والحيوان والأشجار والنبات فعليه تجد على أرض كوردستان انتشار الغابات الكثيفة، والحيوانات الأليفة والمتوحشة، ومثلها الطيور، والنباتات المتنوعة كالأزهار والأعشاب والحشائش التي لا تعد ولا تحصى. أضف لكل هذه التي ذكرناها، أن حبات القمح، التي تعد المادة الغذائية الرئيسة للبشر أبذرتها أول مرة على أرض كوردستان المباركة يد الإنسان الكوردي، ومن ثم انتشرت بمرور الزمن إلى جهات العالم الأربع. عزيزي القارئ الكريم، جاءت في المصادر الإسلامية كـ(ابن كثير) وغيره، أن جبريل (جبرائيل) جاء بسبع حبات من القمح لآدم قال له آدم: ما هذه؟ قال له جبريل: هذه التي نُهيت عنها. فسأله آدم: ماذا أصنع بها؟ فقال له جبريل: أبذره في الأرض. فبذره آدم ثم حصده وطحنه وخبزه فأكل منه. انتهى الكلام المنقول من المصدر. عزيزي القارئ،اقرأ النص جيداً، ستجد أن الله نهى آدم عن أكلها، إلا أنه خالف أمر ربه وأكل منها التي أصبحت سبباً لطرده هو وخليله حواء من الجنة، إلى آخر القصة حسبما جاءت في المصادر الإسلامية وغيرها. لكن، موضوعي ليس عن آدم ولا عن دين محدد، موضوعي هو اسم المادة الغذائية التي جاء بها الملاك جبريل ومن ثم زرعها آدم وأكل منها مع أن جبريل نقلاً عن ربه نهاه عن تناولها. دعنا الآن نرى ماذا تقول لنا الميثولوجيا الكوردية عن هذه القصة: إن حبات القمح التي طحنها وعجنها آدم لكي يأكل منها، لكن قبل أن يأكل منها نطقت حبات القمح بأمر ربها وقالت له: گەنم، گەنم، گەنم. أي: أنا رديء، غير جيد، سيء، أي: لا تأكلني الخ. ومنذ ذلك اليوم أخذ القمح اسمه في اللغة الكوردية “گەنم” من تلك اللعبة الشيطانية التي أخرجت أبو البشر من الجنة، لذلك  تجد إلى اليوم اسم القمح باللغة الكوردية “گەنم” وهذا يقول لنا أن آدم ظهر أول مرة على الأراضي المرتفعة وفي قمم الجبال الشاهقة في كوردستان، ولا ننسى أن هذه الأرض المباركة كما وصفها القرآن اختيرت مرة أخرى مهداً للبشرية وذلك بعد الطوفان كما جاءت في كتب الديانات اليهودية والصابئة والإسلام، اليهودية تقول: استقرت سفينة نوح على جبل آرارات في شمال كوردستان، وآرارات باللغة الكوردية يعني جبل النار، لأن آرارات كانت عليها عشرات البراكين بقيت نشطة إلى زمن قريب. وفي كتاب الصابئة يقول استقرت السفينة على جبل قُردو أي: كُردو. وهو اسم الكورد بصيغة ذلك العصر. والقرآن يقول: واستوت على جودي. أي: سفينة النبي نوح استقرت على قمة جبل جودي في كوردستان ؟.في الحقيقة الكتب الثلاث يقولون ذات الشيء، لأنهم يتحدثون عن مكان محدد يقع في كوردستان. عزيزي القارئ، كما أسلفت، أن بيت القصيد في موضوعي ليس آدام ولا غيره، فقط أريد أن أبين للقارئ اللبيب، أن أولى مفردات الحضارة بدأت من أرض الكورد كزراعة حبات القمح، وتدجين الحيوان، ونسج القماش، واستخراج النحاس، وصناعة الفخار الخ. عزيزي المتابع، أعذرني عن الإطالة، لكني مرغم أن أضع أمامك أهم المصادر التي تدعم ما أقوله في مقالي هذا. هناك مصدر عربي معتبر يدعم ما أقول بأن الكورد هم أول من زرعوا حبات القمح وغيرها في وطنهم كوردستان، هذا المصدر هو للعلامة أبو بكر أحمد بن علي بن قيس بن المختار بن عبد الكريم بن حرثيا بن بدنيا ابن بوراطيا الكزداني المعروف بابن وحشية النبطي، أنه عالم لغوي عاش في القرن الثالث الهجري. يقول ابن وحشية: “وقد رأيت في بغداد في ناووس من هذا الخط – يقصد الخط الكوردي،أي: الكتاب الكوردي-  نحو ثلاثين كتاباً وكان عندي منها بالشام كتابين: كتاب في أفلاح الكرم والنخل، وكتاب في علل المياه وكيفية استخراجها من الأراضي المجهولة، فترجمتهما من لسان الأكراد إلى اللسان العربي لينتفع به أبناء البشر” ثم يقول ابن وحشية في كتابه المذكور صفحة (203 -204): “إنما كانت براعة الأكراد الأول في صناعة الفلاحة وخواص النبات ويدعون أنهم من أولاد بينوشاد، وقد وصل إليهم سفر الفلاحة لآدم (ع)”. أكرر، إن العلامة (ابن وحشية) ألف كتابه المذكور سنة (241) للهجرة (856) ميلادية، حيث أنه أرخ هذا التاريخ في نهاية كتابه المشار إليه. لقد تحدث ابن وحشية عن استخراج الأكراد للمياه وهذه الطريقة قديمة جداً كانت موجودة عند الكورد إلى وقت قريب، وتسمى عند الكورد بـ”كاريز” لأنهم عند حفر الآبار المتلاصقة ببعضها أو المجاري المائية حتى الوصول إلى الهدف كانوا ينثرون الـ”كاريز= التبن الناعم” وعند وصول التبن إلى النهاية يعرفون أن الآبار  متصلة ببعضها والمياه جارية فيها. لا ننسى، أن مفسري القرآن أيضاً ذكروا قدم اللغة الكوردية وهذا يعني قدم الشعب الذي تكلم بها، جاء هذا في سورة  الروم آية (22):” ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف  ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين” يقول العلامة (ابن كثير) في تفسيره ” لاختلاف الألسن”: يعني اللغات، ويقول أيضاً: فهؤلاء عرب وهؤلاء تتر وهؤلاء كرج وهؤلاء روم وهؤلاء إفرنج وهؤلاء بربر وهؤلاء حبشة وهؤلاء هنود وهؤلاء أرمن وهؤلاء أكراد،إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى من اختلاف لغات بني آدم واختلاف ألوانهم. كي لا ننسى،إن طبوغرافيا سطح الأرض (تضاريس) والمناخ في كوردستان هو الآخر لعب دوراً مهماً في كيفية تفكير الإنسان الكوردي لابتكار أدوات وأساليب يحتاجها لإدامة نمط حياته ضمن طبوغرافيا ومناخ وطنه كوردستان ذات الجبال الشاهقة وطقس قارس، شديد البرودة، ورياح عاتية، ومجموعة عوامل جوية وأرضية أخرى، بلا أدنى شك، إذا لم يبتكر الإنسان الكوردي ملابس جيدة من الصوف أو جلود الحيوانات كي تقي جسده من البرد، ومن الحيوانات المفترسة كالـ”فەرەنجی= معطف من اللباد”، ولا يخزن المواد الغذائية لتأمين غذائه للشهور التي لا يخرج فيها من مخدعه، بلا شك لم يستطع الاستمرار في مسيرة حياته ومات من الجوع والعطش ولم يخلف بعده نسلاً، لكنه انتصر في صراعه مع الطبيعة فلذا لا زال نسله مستمر في الحياة إلى يومنا هذا باسم الكورد؟.  عزيزي القارئ الكريم، بما أن الكورد بذروا البذرة الأولى في الأرض، ودجنوا الحيوان الأول، وشقوا الأنهر، وهجروا الكهوف، وبنوا الدور والقرى الأولى كقرية “چەرمو= Charmw” التي بنيت قبل آلاف السنين من قبل المزارعين الكورد قرب جمجمال (چەمچەماڵ) الخ. فعليه، أنهم قبل  الآخرين تركوا مرحلة العيش على صيد الحيوانات البرية، وانتقلوا إلى مرحلة أخرى، إلا وهي مرحلة استصلاح الأراضي وزراعتها بهدف تغيير نمط حياتهم وانتقالهم إلى طور الحضارة التي بدأ معها الإنسان أن لا يعمل دون أن يفكر ملياً بنتائج عمله، وهكذا بدأت عجلة التطور تسيير بوتيرة أسرع وأسرع نحو الأمام وانتقلت هذه الابتكارات عبر الأجيال من الأجداد إلى الأبناء ترتيبياً إلى قبل قرن أو قرنين من الآن حيث شاهد العالم كيف أن المنتوجات الكوردستانية تغزو بلدان ومدن عديدة بالأصواف والأنسجة والسجاد الكوردي والتبغ والحنطة والشعير والرز والألبان والأجبان والكرزات بكل أنواعها والفواكه والخضروات والعلك الكوردي والعسل الكوردي الذي عرف عند العرب قبل الإسلام بالعسل الماذي نسبة إلى الميديين الكورد، وصدر الكورد إلى آشور قبل الميلاد الخيول الكوردية الأصيلة، وصدروا السيوف والرماح والخنجر الكوردي المشهور، حتى دخل في آداب وفنون الشعوب المحيطة بالكورد، أتذكر الأغنية الوطنية أيام قاسم: عبد الكريم يقول آني مو وحدي … سيف العرب وياي والخنجر الكوردي. وكان الخنجر الكوردي بجانب السيف العربي شعار جمهورية العراق في عهد قاسم، إبان الجمهورية الأولى. وهكذا أنتجت اليد الكوردي الأدوات أخرى التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية. ثم، لا تنسى كاوه الحداد (کاوەی ئاسنگەر) الذي كان صاحب مصنع حدادة في ذلك التاريخ الغابر لصنع أدوات مختلفة الخ. عزيزي المتابع، مِن هذه الدول والمدن التي صدرت إليها المنتوجات الكوردية كانت: يابان، مصر، شام، إسطنبول، بغداد حلب، أنقرة، طهران، الإمارات الخليجية، والكثير مِن البلدان الغربية، وكانت كفة الميزان التجاري تميل لصالح كوردستان، لأنها كما قال المفكر (حسن العلوي): الكورد كانوا يبيعون أصناف متعددة من منتوجاتهم الزراعية والحيوانية وغيرها لهذه الدول ولا يشتروا منها شيئا، فلذا كان الميزان التجاري يميل لصالح الكورد. لقد استمرت الحال على هذا المنوال لقرون طوال. لكنها بدأت رويداً رويدا تقلل صادرات الكورد إلى خارج كوردستان وذلك بعد إلحاق جنوب كوردستان عام 1925 بالكيان العراقي المستحدث من قبل بريطانيا عام 1920، الذي بلا شك أثر سلباً على كل نواحي الحياة الكوردستانية التي بسببها تراجعت صادرات كوردستان، إلا أن كوردستان ظلت تتمتع بالاكتفاء الذاتي في منتوجات كثيرة حتى عام 1991 وتحرير كوردستان من براثن النظام العراقي العنصري. وبدأ الحكم الوطني الكوردي لجنوب كوردستان، لكن للأسف الشديد عنده بدأت الزراعة والتربية الحيوانية في كوردستان بالانحدار نحو الهاوية حتى صار إقليم  كوردستان يستورد الطماطم والبطاطس والبيض الخ من الكيانين التركي والإيراني…!!.أضف لهذا الداء، ونتيجة لعدم الضبط والربط الحزبي والحكومي، والتسيب والإهمال المتفشي والمحسوبية والمنسوبية في صفوف الحزبين الحاكمين أصبح الكثير من قيادة الحزبين المذكورين أشبه برجالات “مافيا” يسرقون أموال الشعب الكوردي في وضح النهار ويهربوها إلى خارج الإقليم ووضعها في البنوك، أو من خلال عملائهم يقوموا بهذا المال السُحت بتنفيذ مشاريع تجارية وصناعية في البلدان الأجنبية. عزيزي المتابع، لو بحق وحقيقة أنهما حزبان وطنيان وكوردستانيان كما يقول اسميهما، كان من الأولى بهما وبالحكومات الـ”موبوكراسية” التي من صنيعتهما أن تستغل وفرة المياه والأرض الخصبة في كوردستان، وتحاول بكل الطرق والوسائل العلمية الحديثة بتحقيق نهوض شامل في الاقتصاد الزراعي، والتربية الحيوانية، وذلك من أجل تأمين احتياجات مواطني الإقليم من المواد الغذائية وغيرها وتصدير الفائض منها، بهذه الطريقة المثلى التي ستجلب السيولة النقدية إلى الإقليم،  وأيضاً تحافظ على النقد الموجود في إقليم كوردستان من الخروج إلى الخارج؟، وتحديداً إلى كل من كياني إيران وتركيا اللذان يشتريان بالمال الكوردي القادم من إقليم كوردستان أسلحة وأعتده حربية لكي يقتلون بها بدم بارد أبناء الشعب الكوردي المسالم؟؟؟. وعلى المستوى السياسي لم يستطيعا الحزبان المذكوران بتحقيق أية أمنية من أماني الشعب الكوردي الجريح. ليس فقط لم يستطيعا إعادة كركوك السليبة والأراضي المغتصبة الأخرى من أيادي الأعراب إلى حضن الإقليم، بل باعها طرف منهما إلى السلطة الشيعية الحاكمة في بغداد ومعها مدينة خورماتو أيضاً!!!. واجتماعياً، قبل تحرير جنوب كوردستان على يد الجيش الأمريكي، ومن ثم تحويل السلطة من قبله إلى  الأخوة الأعداء؟ كان الوعي القومي والوطني الكوردي والكوردستاني “کوردایەتی” أفضل ألف مرة مما هو عليه الآن. وفي هذه السنين العجاف إنه حصروا  مشكلتهم مع بغداد المعتدية في مربع إرسال رواتب الإقليم؟!، للأسف بتبنيهم هذه السياسة الخانعة حولوا شعب كوردستان إلى شعب مستجدي ينظر إلى ما تجود بها أيادي بياع السبح والمحابس، ومصلح المصاعد، وأصحاب الدكات؟؟؟!!!. لكي أكون دقيقاً فيما أقول، هذا لا يعني أن الأحزاب الكوردستانية الأخرى بعلمانييها وإسلامييها أفضل من هذين الحزبين… بل أنهم أكثر شروراً وفساداً منهما، وأسوأ من جميعهم الأحزاب والمنظمات الشيعية الحاكمة في بغداد. لكن للتاريخ أقول، إن الحزبين الحاكمين في إقليم كوردستان”الديمقراطي و الاتحاد” حولا إقليم كوردستان إلى شركة العائلة ” The family company”.

والسلام على كورد وكوردستان.

05 09 2020

2 Comments on “حقيقة وواقع اقتصاد كوردستان مِن أيام هابيل وقابيل إلى عهد قوباد ونَچير؟ محمد مندلاوي”

  1. تحية الكوردية الصادقة لاخي الكبير محمد كاكه گيان …صدقني قرأت فقط العنوان مقالتك معذرة لضيق الوقت عندي … فقط العنوان المقالة قرأته …تكفيني …شبعتني حرقتني وحركتني كالمحرك الذري ..بالمناسبة هذه اول مرة
    أتطلع على هذا العنوان خلال خمسين لا خمسينة نچير مع صديقه الارهابي اوردوغان … حقيقة وواقع اقتصاد كوردستان مِن أيام هابيل وقابيل إلى عهد قوباد ونَچير؟ محمد مندلاوي

    نظام الحكم الوراثي في المشيختيين مع الأسف بنيت أساسهما على الاضية الرخوة ومادامت هكذا فهي معرضة للسقوط والانهيار في أية لحظة…ولَم يبقى لدى الشعب إلا خياريين إما القبول حتى يفرج الله وإما الاعلان عن الاعتصامات في كل الدوائر الدولة وتدريجيًا تتحول الى الانتفاضة الجماهيرية واذا ما اندلعت شرارتها تحترق الاخضر واليابس وتتحول كوردستان الى ماوصلت اليها سوريا وتحترق معها أمنيات الشهداء …والعائلتين اعدتا العدة لهذا اليوم والا لماذا كل هذه السرقات الم تكفي تلكم الشريكات العائلية الى اليوم القيامة ولماذا لايشبعون :؟
    يقال مصيبة معاوية بن سفيان كان كلما يأكل لايشبع ويقال كان سببه دعاء رسول الله ص له …إذن من ذا الذي تسبب لافراد العائلتين أهات اليتامى ……ام امهات الشهداء ام جرحاهم تركوها والديدان تشبع …ياپيشمرگاها…ياحسرتاه…جف الحبر …قلمي……أبكي…لكن غدأ لصاحب الحق المهدور … قريب…إنشاءالله

    الدنيا والآخرة…:…الدنيا هي ميدان الانسان فهو يستطيع أن يحوّلها إلى منبع للخير، أو مصدر للشرِّ، فعن الذين حولوها إلى ميدان للخيري…:پيشمه رگه…اليكم مهمة قيم بالانقلاب… إن للدُنيا رجالاً لديهم كنوزٌ مذخورةٌ مذمومةٌ عندكُمْ مَدْحُورةٌ، يكشف بِهم الدّين كََشْفِ أحَدِكُمْ رأسَ قِدْرِهِ ويَلُوذونَ كالجرادِ فيُهلِكُون جبابرة البلاد…

    كيف يقوى النظام…………؟…أولاً ……وقبل كل شيء كان مِن المفترض أن نتعرف على النبع الذي ينطلق منه النظام، في هذا المضمار عقل المرء نظامه…فالعقل هو الرحم الذي يستقبل نطفة النظم فتلتصق بجداره، وهناك تأخذ بالنمو لتتحوّل إلى جنين… ومِن ثم يخرج الجنين مِن الرحم إلى الوجود على شكل خُطة ونظام.…فالعقل هو المصدر الأول للنظام، وبدونه لايمكن لأمة أن تكون منظمة في حياتها.…فالعقل هو مصدر الفكر.…والعقل هو مركز التخطيط.…والعقل هو نبع البرامج.…والفكرة والخطة والبرمجة هي ألف باء النظام.…فالعقل يضع بين أيدي البشر النظام قبل التطبيق، يبقى المسؤول عن تطبيقه هو العلائق الحسنة التي تنمو في المجتمع، والتي تقوم على اساس مِن الحقوق المتبادلة. … من تلك الحقوق حقُّ الوالي على الرعية، وحقُّ الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله ـ سبحانه ـ لِكُلٍّ على كُلٍّ، فجعلها نظاماً لأُلفتهم…وعلى مبدأ الحقوق يقوم النظام، ويتحوّل إلى منهج في الحياة بعد أن كان مجرد فكرة في العقل، أي انه يدخُل حيّز التطبيق.…وهنا نقف عند مبدأ مهم يضعه بين أيدي الأجيال، وهو أكثر مِن المجتمعات الأُخرى.…إذن التواضع هو السبيل لايقاف حالات التداعي والانهيار في المجتمعات البشرية، وقد جاء حث الاسلام على التواضع لصيانة المجتمع مِن الانهيار والحفاظ عليه مِن السقوط السريع.
    وخفض الجناح هو كناية عن التواضع…وهو كناية عن تواضع الكبار من ذوي المسؤوليات العليا لأن التعبير هو خفض الجناح لمن يمتلك القدرة على الطيران، فهؤلاء تقع عليهم مسؤولية التواضع، وهذا هو السبيل الأوفق لتقوية التنظيم والحيلولة دون انهياره وسقوطه.…سادساً…: الأمانة؛ عندما يشعر كل فرد في التنظيم الاداري أو أيّ تنظيم إجتماعي بأنه أمين على مصالح الجماعة فإنّ إلتزامه نحو الجماعة ومصالحها سيكون متيناً للغاية وخلافاً للتنظيمات التي تقوم على التنافس المحموم والذي مِن شأنه أن يُفجّر التنظيمات من داخلها في كل لحظة، خلافاً لها أقام الاسلام نظامه الاداري على مبدأ الأمانة، فقد خاطب الله سبحانه وتعالى أفراد المجتمع الذين يتحملون مسؤولية إجتماعية قائلاً لهم: ﴿إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾[115].…فالنظام الاداري الذي يطمح إليه الاسلام هو النظام القائم على الأمانة، الذي يجعل مِن كُل فردٍ أميناً على مصالح الأُمة أميناً على ممتلكاتها، أميناً على قيمها ومثلها، أميناً على أسرارها وأفكارها.…فرض الله… الأمانة نِظاماً للأُمة…: كيف تصبح الأمانة نظاماً للأُمة؟…: عندما يتحسس المسؤول الكبير سواء كان حاكماً أو والياً أو مُديراً أو رئيساً بانه أمين على مصالح الأُمة، وعلى كل فرد فرد منها، وإنه سيُسأل يوم القيامة عن هذه الأمانة.…وعندما يشعر كُلَّ فرد من ابناء الأُمة بأنه أمين أيضاً على مصالح الأُمة فعليه أن يصونها ويذود عن حياضها ويحميها حق حمايتها…. وأي ضعف عن أداء هذه المسؤولية سيحاسب عليه وسيواجه بأشدِّ العقوبات.…ثالثاً: …كيف ينهار النظام…؟…الأنظمة عُرضة للانهيار، كما ينهار البناء عندما يتسلل إليه الماء والرطوبة، فالأنظمة تتسوس كما يتسوس الكرسي الموضوع في زاوية مِن البيت ولا يحصل على الرعاية المطلوبة، وأكبر معول يهدم نُظم الجماعة هو الخلاف، وقد قال تعالى في كتابه الكريم ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ والخلاف هو جرثومة تبدأ صغيرة ثم تكبر فتنتشر فتهدد كيان المجتمع بأسره، والخلاف يبدأ صغيراً في نفس الانسان ثم ينمو كبيراً في كيان المجتمع.…وأول عملية هدم تتم بمعول الخلاف هو هدم الآراء،…فيظهر الخلاف وينتشر إلى كافة الرعية: آفة الرعية مخالفة الطاعة…ثم يسري إلى قمة المؤسسات الاجتماعية فيصل حتى إلى المقاتلين: آفة الجند مخالفة القادة…عندها سينهار المجتمع ويتمزق شرّ ممزق، عن نتائج الاختلاف: سبب الفرقة الاختلاف.…
    وعندما تبلغ الجرثومة إلى هذا المستوى مِن التأثير يجب الاسراع في العلاج، وتقع على حكماء المجتمع وعقلائه مسؤولية وضع حدٍ لهذا الانهيار بإيقاف حالة التداعي في المجتمع، وذلك بالعمل وفق هذه الخطوات:
    أولاً: الرفق بالآخرين، وهو يضع حداً للمخالفات،: الرفق يغلُّ حدّ المخالفة
    ثانياً: الانصاف، وهو نوع من العدل، يظهر فيه تساوي الانسان بين نفسه والآخرين،: الانصاف يرفع الخلاف ويوجد الائتلاف
    هذا ما يمكن القيام به عند وقوع الاختلاف في المجتمع وما يتحمله المسؤول أو المدير مِن أعباء للحفاظ على النظم الاجتماعيه. وهذه هي إحدى الخواص التي تمتاز بها النظم الادارية فهي إدارة منتظمة متسقة الأجزاء لا مجال فيها للفُرقة والاختلاف.
    ثالثاً: الصفة الجماعية
    لا تنشأ الإدارة إلاّ بين جمع مِن الناس، ولابُدّ لهذا الجمع مِن روابط تربطهم، وكلما قوي هذا الرابط قويت الجماعة وأصبحت الادارة متيسرة على الرئيس او مسؤول ……. فالجماعة هي البيئة التي تنشأ فيها الإدارة، وبدون مراعاة هذا الجانب تصبح الادارة أشبه ماتكون بمعادلة حسابية، وقد وُجّهت إنتقادات إلى المفكر الألماني (ماكس فيبر) عندما لم يهتم بالبيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها الإدارة فجاء نموذجه في ـ البيروقراطيةـ تُنقصه الروابط الانسانية. كذلك يؤخذ على (تيلر) إتجاهه إلى مكننة الانسان في المعمل.
    وقد زخرَ فكر بنصوص كثيرة في مجال المجتمع والجماعة، وهي بحدّ ذاتها تكوّن لدينا دراسة متكاملة عن المجتمع ودور الفرد في الجماعة، لكن سنقتصر على النصوص التي نحتاجها في تأكيد الصفة الاجتماعية في الادارة.…فالادارة التي نستقي أبعادها من كلام هي التي تنشأ في رحم المجتمع والجماعة. وقد أشرنا سلفاً أن المفردة الاجتماعية تحتل مساحة كبيرة فكان علينا أن نقتطف ما ينفع دراستنا وهو الاشارة إلى ضرورة وجود المجتمع للحياة، وعوامل تكوين الجماعة، وتصنيف المجتمع وما إلى ذلك من الموضوعات التي سنأتي على ذكرها.

    والشقي من انخدع لهواه وغروره وأكثر فتن التاريخ مصدرها إتباع الحكام لأهوائهم. ……إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تُبتدع… الانحراف التاريخي الذي أدى إلى إنحراف الناس: هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يُعمل فيه بالهوى… فأين كانت العقول يوم حكمت الأهواء البلاد؟……وكم مِن عقل أسيرٍ تحت هوى أمير…وما هو الحل؟؟ …الحل أن يتمرّد العقل على الاغلال وأن يقف بقوة بوجه الهوى مقاتلاً صُلباً.. إذا وقع الأمر بفصلِ القضاءِ (وخسر هُنالك المبطلون) شَهِد على ذلك العقل إذا خرج مِن أسرِ الهوى، وسلم مِن علائق الدُّنيا……وهنا العقل سيشهر سيف الوعي ضد ظلام الهوى، ويدخل معه في حرب لا هوادة فيها. العقلُ حُسامٌ قاطِع، فاستر خلَلَ خُلُقك بحِلمكَ، وقاتِلْ هواك بعقلك… فالعقل سيفٌ.. وهو سيفٌ بتّار يقطع كل إنحرافٍ إذا مااستطاع الإنسان حملهُ وشهره.… ولابُدَّ مِن مقاتلة الهوى لأنه العدو الأول الذي يمنع الإنسان عن التقدم، ويدفع به إلى الوراء، ويتركه في الظلام الدامس يلقي مصيرهُ المؤلم. صراع العقل والهوى بمعركة وقعت بين جيشين…: الهوى قائد جيش الشيطان… فامتلاك العقل ينتج عن مخالفة الهوى……مخالفة الهوى شفاءُ العقل. أيضا: ثمرة العقل مقت الدنيا وقمعُ الهوى. فهناك علاقة متينة بين الهوى وحب الدنيا. ومنشأ هذه العلاقة: مَن أطاعَ هواه باع آخرته بدُنياه إذن العقل والهوى في حالة معاكسة دائماً.

    طاعة الهوى تُفسد العقل…الهوى عدو العقل…الهوى ضد العقل…فهما لا يجتمعان في إنسان أبداً، بل هما في صراع دائم حتى يتغلب أحدهما على الآخر.…إياكم وتمكن الهوى منكم
    إملك عليك هواك…إنك إن أطعت هواك أصمّك وأعماك…قاتل هواك بعقلك تملك رُشدك…قاتل هواك بعلمك لأنّ العلم هو ثمرة العقل، يضع الإنسان أمام أقسى عدو لايمكن السكوت حياله.…هواك أعدى عليك من كل عدو فاغلبهُ وإلاّ أهلكك وأمام دغدغات الهوى التي تسابقه إلى عمل المنكرات، عليه أنْ يسوِّف الهوى، ولا يتعجل في تنفيذ رغباته لأنّ فيه الهلاك…كن لعقلك مُسعِفاً ولهواك مسوّفاً…العقل ينبوع الخير…العلم مصباح العقل وينبوع الفضيلة…ولما كان العقل هو أصل العلم….فهو ينبوع الفضل أيضاً.…والأدب أحد الفضائل المهمة في الإنسان وأساسه العقل.…الأدب في الإنسان كشجرة أصلها العقل….والتواضع أحد الفضائل وهو رأس العقل كما ورد في الغرر….والسخاء وهو أحد الفضائل أيضاً ثمرة العقل كما في الغرر…والحلم أحد الفضائل وهو الآخر ناتج عن وفور العقل: بوفور العقل يتوفر الحلم……والعلاقة بين العدل والعقل علاقة وطيدة تُبينها هذه العبارة الرائعة: من علامات العقل العمل بسنة العدل… والحكمة هي عصارة الفضائل منبعها العقل بالعقل يُستخرج غور الحكمة…….والإعتبار بالأحداث وهو أحد الفضائل أساسه أيضاً العقل: من قوى عقله أكثر الاعتبار …والمروءة هي إحدى الفضائل التي يتبارى على التمسك بها الرجال وهي تستند أيضاً إلى العقل: مروءة الرجل على قدر عقله…والفكر هو الآخر مِن مكتسبات العقل الفكر جلاء العقول……فالفكر، الأدب، العلم، التواضع، الحلم، السخاء، العدل، الحكمة، الاعتبار، والمروءة كلها فضائل تجدها عند العاقل.
    أما الجاهل الذي يتبع هواه فماذا تجد عنده؟…سبب كل المحن؛ الهوى أُسُّ المحن… عامل كل فتنة؛ الهوى مطية الفتنة… سبب الارتباك في الحياة؛ لاتتبع الهوى؛ فمن تبع هواه إرتبك…
    سبب الهلاك؛ مَن أطاع هواه هلك…
    سبب الزلل؛ مَن ركب هواه زلّ……
    سبب لفساد النفس؛ فساد النفس الهوى…سبب عدم الاخلاص؛ كيف يستطيع الاخلاص مَن يغلبه الهوى …
    سبب الضلال؛ مَن ملكه هواه ضل…
    سبب العمى والصمم والذُّل؛ مَن اتبع هواه أعماه وأصمه وأذله وأضله……
    سبب الظُلم؛ مَن نظَر بعين هواه إفتتن وجارَ……
    الدنيا والآخرة…:…الدنيا هي ميدان الانسان فهو يستطيع أن يحوّلها إلى منبع للخير، أو مصدر للشرِّ، فعن الذين حولوها إلى ميدان للخير ي…: إن للدُنيا رجالاً لديهم كنوزٌ مذخورةٌ مذمومةٌ عندكُمْ مَدْحُورةٌ، يكشف بِهم الدّين كََشْفِ أحَدِكُمْ رأسَ قِدْرِهِ ويَلُوذونَ كالجرادِ فيُهلِكُون جبابرة البلاد…

    علي بارزان

Comments are closed.