العالم في حركة مستمرة وسيظل هذه سمة الحياة، وشهد البشرية تغيرات هائلة خلال الثلاثين العام الأخيرة وعلى كافة الأصعدة، السياسية منها والفكرية والتكنولوجية، إلا عندنا نحن الكرد وجيراننا العرب، الفرس والأتراك!!
أي حركة سياسية أو مؤسسة أو حكومة ونظام، لم يتوأم مع المتغيرات المجتمعية والإقتصادية والسياسية الجارية من حوله، وما لم يراجع سياساته ونمط عمله بحيث يتماشى مع العصر سيصاب بالفشل ويتأكل من الداخل ويصاب بالجمود وبالتالي الموت البطيئ. وهذا بالضبط ما حدث لأحزابنا الكردية والحكومات المتعاقبة في جنوب كردستان والإدارة الذاتية بغرب كردستان التي لحقت بهم سريعآ.
لماذا المراجعة مطلوبة بشكل دوري؟
لأن كل شيئ في الحياة في حركة مستمرة وتدافع، بما فيها الأفكار فإن لم تتحرك المؤسسات وتتماشى وتسبق هذه الحركة فالمجتمع سيسبقها وستتخلف عن الركب وبالتالي حدوث فجوة كبيرة بين الطرفين أي بين المجتمع وتلك المؤسسات، وقد يؤدي ذلك إلى صدام عنيف بين الطرفين.
وكل الإحتجاجات والمظاهرات والتمردات والثورات والإنشقاقات التي تحدث في العالم، هي نتيجة مباشرة لغياب التجدد ومراجعة السياسات المختلفة وأنماط العمل الحزبي والسياسي والإقتصادي والتربوي والإجتماعي ..إلخ. وأي وقوع في فخ الآيديولوجيا الفكرية أو الدينية أو حب الذات والحكم عبر إستخدام القوة والترهيب، نتيجته السقوط في الهاوية، وهناك مئات الأمثلة التي يمكن الإستشهاد بها.
وخير مثال على ذلك، إنهيار الاتحاد السوفياتي تلك الإمبراطورية التي امتدت من آسيا إلى أوروبا والتي كانت تملك ثاني أكبر قوة عسكرية بعد أمريكا. السبب الذي أدى إلى إنهيار النظام، هو تكلس مؤساسات الدولة السوفيتية، بسبب غياب المراجعات السياسية والتجدد في الفكر وأنماط العمل، بمعنى الإستماع لشعبها وتلبيت حاجته وإطلاق الحريات العامة ومحاسبة الفاسدين، وتحسين مستوى العيش للناس .. إلخ. لم يقضى على الإتحاد السوفيتي بالأسلحة النووية، ولم ينفعها كل تلك الترسانة النووية الضخمة، التي كان يملكها ويلهث نظام الملالي في طهران لإمتلاكها.
حالة من الجمود المزمن يسود الساحة الكردستانية الحزبية والسياسية منذ سنوات طويلة جدآ،غاب عنها نهائيآ أي شكل من أشكال المراجعة السياسية والفكري وتجديد أنماط العمل الحزبي وأي تجديد في جسد هذه الأحزاب إلا بعامل الموت أو القتل والتصفية!!
وللتوضيح وتقريب الموضوع من ذهن القارئ الكريم، سأضرب عدة أمثلة حية عن الوضع الكردي وأقارنه ببلد لا يعرف نظامها وأحزابها السياسية الجمود ألا وهي بريطانيا.
المثال الأول: الحزب الديمقراطي الكردستاني- جنوب كردستان
مر على هذا الحزب منذ تأسيسه (75) عامآ، ورغم كل التغيرات التي شهدها العراق ومعه جنوب كردستان والإقليم والعالم، مازال يعمل بنفس الإسلوب والعقلية السابقة. وتقريبآ بنفس الأشخاص القيادية أيضآ، ما عدا الذين إفتكرهم عزرائيل والذين فقدوا حياتهم في المواجهات المسلحة مع الأنظمة العراقية المتعاقبة الشريرة. وبسبب غياب تلك المراجعات، فشل مسعود وجماعته الإنتقال من الكفاح المسلح إلى الدولة، هم فقط إنتقلوا إلى التسلط على رقاب الشعب ونهب كل ما يمكن نهبه، وخير دليل ذلك المواطن الذليل.
يمكنني القول اليوم لا يوجد شيئ إسمه الحزب الديمقراطي، هو مجرد هيكل فارغ، يحكم بإسمه عائلة البرزاني الفاسدة والمستبدة مثل عائلة الأسد وحزب البعث في سوريا بالضبط.
في المقابل حزب العمال البريطاني، الذي تأسس في عام 1900، شهد الحزب تغيرات هائلة على كافة الأصعدة، وأجرى مراجعات عديدة تنظيمية وسياسية وأساليب العمل، دون أن يسمي نفسه ديمقراطي وهو حزب ديمقراطي فعلآ وقوآ في حياته الداخلية، وليس كأحزابنا الخلابية. وترأس هذا الحزب (25) زعيم منذ تأسيسه، والألاف من الكوادر القيادية مروا عليه. بعكس الحزب “الديمقراطي” الكردستاني، الذي حوله البرزاني إلى مؤسسة عائلية وراثية بقوة السلاح. ولم يترأس الحزب سوى البرزاني ونجليه ادريس ومسعود!!!
المثال الثاني: حزب الإتحاد الوطني الكردستاني – جنوب كردستان
هذا الحزب تم تشكيله بعد خروج جلال الطالباني ووالد زوجته من الحزب الديمقراطي بسبب الصراع على الزعامة عام 1975. وهو في الأصل ثلاثة تيارات لم يجمعها جامع سوى سطوة جلال الطالباني والسورنة أي اللهجة السورانية والمناطقية.
وبدوره حول هذا التنظيم إلى مؤسسة عائلية ولم يترك منصبه إلا بفعل الموت مثل مصطفى البرزاني، الذي ورث الحزب كمزرعة لأبناء الفطاحل!!!!
وعمل جلال الطالباني وحزبه بنفس الإسلوب والفكر العقيم والمتخلف الذي كان يسير عليه حزبه الأم. ولم جلال ولا جماعتة بأي مراجعة لا في مرحلة الكفاح المسلح رغم الكوارث التي إرتكبوها مع الحزب الديمقراطي ولا في مرحلة السلطة والتسلط.
المثال الثالث: حزب التقدمي الديمقراطي الكردي في سوريا
منذ تأسيسه عام 1976 توبه حميد درويش بإسمه الشخصي ولم يترك زعامة الحزب إلا بفعل الموت
تمامآ مثل صاحبه جلال طالباني وخالد بكداش، وورث الحزب لأخيه. مجموع السنوات التي قضاها درويش في زعامة (45) عامآ أي ما يعادل حكم الأسدين. يا لها من تقدمية وديمقراطية فوق العادة!!!
هذا التنظيم إسوة ببقية التنظيمات لم يقم بأي مراجعة سياسية ولا فكرية ولا تجيديد تنظيمي وبقيا كدكان يعتاش منه الأخ حميد باسم الشعب الكردي. مثل دكانة كمال بورقية في شمال كردستان وصلاح بدر الدين بغرب كردستان لا فرق بينهما.
المثال الرابع: حزب العمال الكردستاني – شمال كردستان
ما أن ظهر هذا الحزب على الساحة الكردستانية وتم تقويتة شوكته من قبل المخابرات الأسدية، حتى خون كل الحركة الكردية بحجة عدم مطالبتها بإستقلال كل كردستان واليوم يرفض قيام دولة كردية!!! وهو حزب شمولي على الطراز الإستاليني، يتمحور الحزب حول شخص اوجلان الذي جعل من نفسه الحزب ومن الحزب شخصه، أي نفس عقلية وذهنية البرزاني، ولكن بلباس إيدولجي ماركسي لا أكثر.
لم يقم اوجلان بأي مراجعة فكرية وسياسية، إلا بعد القاء القبض عليه وسجنه في امرالي. أجرى مراجعة تهدف إلى خلاصه أي الإفلات من السجن، ولكن ذلك لن يحدث قلتها مرارآ وتكرارآ وفي حينها أيضآ. وأنا برأي لم يكن ذلك مراجعات بل تنازلات مجانية على حساب الشعب الكردي وحقوقه القومية، وبدليل رفضه لقيام دولة كردية على أرض كردستان، بعدما كان يخون الأخرين لأنهم لا يرفعون هذا الشعار.
الحزب بعد سجن اوجلان، لم يقم بأي مراجعة سياسية جدية، ولم يغير في إسلوب عمله ولا فكره.
وحتى فرعه السوري (ب ي د) لم يقم بأي مراجعة للفترة الماضية وخاصة بعد ضياع “عفرين وغريه سبي وسريه كانية“، وهروب الملايين من الكرد إلى خارج الإقليم، وإتباع سياسات أخرى والخروج من قوقعة الإيدولوجيا والإنفتاح على الشعب الكردي وسماع صوته وإنهاء حالة الإقصاء والإستحواذ. إن الحديث عن (ثورة روزأفا) نكتة ومدعاة للسخرية. قامت ثورة واحدة في سوريا وبدأت من درعا وإنضم الكرد إليها ما عدا فرع حزب العمال (ب ي د) هذه حقيقة، والمناطق الكردية تم تسليمها لحزب العمال بشرط منع الكرد من الإنخراط في الثورة، وهذا ما فعلوه بالضبط. الحزب يعمل بنفس الإسلوب والعقلية السابقة ويتبعون نفس السياسات، وينخر الفساد في مؤسساتهم إذا سميناها مؤسسات.
في الختام، لا مجال أمام هذه الأحزاب سوى القيام بمراجعات جدية في كافة المجالات وتتحول فعلآ إلى أحزاب سياسية عصرية تحيا حياة ديمقراطية داخلية، وتنبذ عبادة الفرد والتوريث والتكليس، وتتخلى عن السلاح والأمن والمال لصالح الحكومة، هنا الكلام عن غرب وجنوب كردستان وخصصة الإعلام، إن أرادت البقاء حية. حيث لا يجوز أن يملك حزب سياسي مليشيات مسلحة وعشرات القنوات التلفزيوني وأجهزة مخابرات ووضع اليد على المال والموارد الطبيعية، وفرض فكره على أبناء الكرد من خلال تدريسه في المدارس، هذا من مهام الحكومة وليس الأحزاب السياسية، ويجب أن يخضع الجميع لسلطة القانون، ونريد أن نرى المسؤولين الكرد الذين قتلوا وسرقوا خلف القضبان، كما هو الحال في اسرائيل يا من تتشدقون بالديمقراطية.
هل سيحث هذا في المدى المنظور؟ لا أظن ذلك بسبب التخلف الفكري والسياسي لدى القيادات السياسية الكردية، وتضخم ذات الأنا وعشق الكرسي.
14 – 03 – 2021


مقال صريح و واضح من حيث التفصيل وهذا هو عين الحق ، هناك فرق شاسع بين من يلقي اللوم على الآخرين و يطلب من المجتمع الدولي و ( بريطانيا وفرنسا بالذات ) أن يكفرا عن ذنبهما بتقسيم أرض كردستان و تصحيح ذلك الخطأ وتبني قرار بتأسيس دولة كردستان ، فما فائدة دولة نكون فيها مواطنين من الدرجة الثانية ( أبناء عائلة ما الدرجة الأولى والبقية خدم وحشم درجة ثانية ) ، لأننا الآن نحن على هذا الحال . بينما يتحاشى الكتابة في هذا الموضوع ، هذا المقال يكشف زيف من يدعي القومية والأنتماء …..شكرا أستاذ بيار على شجاعتك . وأتمنى أن تراجع نفسك وقلمك يا أستاذ محمد مندلاوي
الجهلة والعملاء والفاسدون وسراق المال العام لايستطعون أن يتغيروا ولايمكنهم ذلك بل يحتاج الشعب الكردي الى استاصالهم قبل فوات الأوان.