تؤكد كثير من المصادر اللغوية وبعض المختصين بقواعد النحو العربي على ان مصطلح الشهادة الذي نستعمله غالباً للإشارة الى مَن فقدوا الحياة دفاعاً عن وطن او مبدء او قناعة دينية ، ونؤكد هنا على مفردة ” دفاعاً ” ، إذ ان غير ذلك سيقع في مفهوم الإعتداء على الغير وهذا مرفوض تماماً ، لا علاقة له بالمصدر او الفعل ” شَ هِ دَ ” ( شَهِدَ ) الذي يعني الرؤيا او الإطلاع البصري او المشاركة لحدث ما او واقعة بذاتها فيكون بذلك شاهداً على وقوع تلك الحادثة او ذلك الحدث . والأمثلة التي توردها كثير من النصوص الدينية وغير الدينية تؤكد ذلك بوضوح.
ومن هذا التوجه ينطلق النشاط ، الذي نعيشه هذه الأيام ، لرؤية هلال شهر شوال الذي يشير الى نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر كخاتمة للصيام الذي استمر شهراً بكامله.
سعي حثيث واهتمام جاد ليفوز هذا او ذاك برؤية الهلال ، وهلال شهر شوال بالذات. وتتكرر هذا الظاهرة مرة في السنة لتختفي ثم تعود في السنة القادمة وهكذا .
ولكن يبدو ان كثيراً منا لا يشهد او لا يريد ان يشهد او يتغافل عن مشاهدة ما يدور حولنا من مظاهر هي اكثر اهمية واشد وطأً من رؤية هلال شهر شوال .
يبدو ان ما يعيشه الإنسان العراقي يومياً ، خاصة الطبقات المسحوقة منه وهي كثيرة جداً وقد تشكل اكثر من نصف المجتمع العراقي ، إذا ما جمعنا منتسبي خط الفقر ، والقريبين من هذا الخط من هذا المجتمع ، يبدو ان مآسي هؤلاء الناس ومعاناتهم التي لا يمر عليهم يوم بدونها وبدون اهوالها التي قد تفوق طاقة التحمل البشري احياناً ، لا تشغل بال من يعيشون ذلك باجسادهم فقط ، دون شهادة مشاعرهم على ذلك الظلم الذي يتعرض له هؤلاء الناس .
فهل هناك مَن لم يشهد الفقر المدقع الذي يعم مجموعات بشرية باطفالها وشيوخها ، بنساءها ورجالها ، وطبيعة عيش هذه الجموع التي تجبرها على اللجوء الى المزابل للتفتيش بين النفايات عما يسد الرمق لذلك اليوم فقط ؟ وأمام ذلك يشهد الكل ويعيش يومياً بعض ، إذ ان الخافي اعظم ، مظاهر الحياة الأسطورية التي يعيشها المتنفذون في الدولة التي اصبحت فريسة جاهزة شرعن تجار الشريعة توزيعها بينهم لتضمن ليس لهم فقط ، بل ولأجيالهم القادمة ايضاً ، العيش الرغيد والغد السعيد الذي لا يعرف العوز والحاجة ولا علم لهم بمفردات الجوع والحاجة .
وهل من الصعوبة ان تشهدوا ، وتعيشوا جَسداً وفكراً ، كيف استطاع هؤلاء المتنفذون في الدولة العراقية من سياسيي اليوم ، ومتسولي قم والسيدة امس ، ان يحصلوا على هذه المواقع التي وضعت امامهم كل ما يسهل لهم سرقة المال العام واستيلاءهم على مال الغير ايضاً لتوسيع مساحات عقاراتهم وتضخيم ارصدة حساباتهم ، غير آبهين بصراخ اطفال الجوع ولا بانين المرضى ، وحتى التدني الأخلاقي الذي نشروه في المجتمع العراقي من خلال تجارتهم بالفسق والفجور وبصالات القمار وفنادق الدعارة ، هذه التجارة التي غطوها بعمائم بعضهم ، وزخرفوها بخواتمهم الفضية وبجباههم المكوية ولحاهم الشيطانية ؟
ومَن منكم لم يشهد الإنفلات المليشياوي الذي اشبع ارض العراق دماً وقيحاً ، تيمناً بما مارسه اخوتهم في الدين قبلهم من دواعش او مجاهدين في جيوش الأئمة والخلفاء والأولياء، وانطلاقاً من توجيهات اصحاب العروش والكروش ، او ممن وضعوا انفسهم موضع المرشد الأعلى المعصوم عصمة من يؤمنون بمعصوميتهم التي لا جدال فيها.؟
أولم تشهدوا ما اججه هؤلاء الأوباش ممن يحكمون العراق وما تجره احزابهم ومؤسساتهم على البلد واهله من صراع طائفي اوصلوه الى القتل على الهوية والكره بسبب المذهبية، والضغينة على الغير المختلف والحرب عليه ، والتنكر لهوية اهل البلاد الأصليين من الديانات الأخرى التي عاشت وتعيش على ارض هذا الوطن منذ آلاف السنين قبلهم ؟
ولاشك بانكم تشهدون اليوم خراب التعليم ومؤسساته بدءً بمراحله الإبتدائية الأولى وانتهاءً حتى بدراساته العليا التي اصبحت قاعات مناقشة رسائل الدرجات العليا فيها ربعة للهوسات العشائرية وتكايا لأدعية وتعويذات سحرية يراد لها ان تساعد صاحب الرسالة على اجتياز امتحانه.
وتشاهدون حتماً خراب وتدهور ، بل وسقوط الإقتصاد العراقي الى الحضيض الذي اصبح وطننا من خلاله مستجدياً وهو الذي كان يعطي ، وفقيراً وهو الغني بكل الموارد والمؤهلات البشرية والمادية ، غير قادر حتى على انتاج ابسط مقومات الحياة البشرية من غذاء ولباس واحتياجات يومية تقنية وغير تقنية .
وتشاهدون ايضاً كيف اصبحت الدولة العراقية دولة فساد لا دولة قانون ، ودولة انفلات عصابات مسلحة لا دولة امن وأمان ، ودولة ساحات نشاطات اجنبية من ايران وتركيا وامريكا وعملاءها لا دولة استقلال وقرار، ودولة استهلاك لا دولة انتاج ، وملخص القول يمكننا ان نصف الدولة العراقية اليوم بسياسييها وقادة احزابها الحاكمة ومسيرة مؤسساتها وعجز اجهزتها الأمنية عن حماية ارواح المواطنين ، يمكننا ان نسميها بالإجمال بانها دولة اللاشيئ التي تتلاشى امام هذه المآسي التي تشهدها اليوم ، إن لم تكن متلاشية فعلاً وإن كل ما نراه من مسيرة سياسية هو اشبه بما يعرض احياناً من حركات الدمى التي يتلاعب فيها ماسك الخيوط .
فإن كنتم تشهدون كل ذلك ، وتعيشونه يومياً بكل جوارحكم ومشاعركم فلماذا هذا الخمول الذي ينتاب مجالسكم ولماذا هذا السكون الذي يعم محافلكم ولماذا تتأخر ثورتكم على هؤلاء اللصوص ، تجار الدين الأوباش وسماسرة الدعارة والرذيلة وفرسان التدني الأخلاقي وقادة عصابات القتل والإرهاب وسارقي قوت الأطفال وناهبي اموال وممتلكات البلاد والعباد ؟
لماذا لا تتحرك فيكم نخوة الشهامة للوطن التي ورثتموها من اهلكم الذين دافعوا عن ارضهم ومالهم وشرفهم والذين تتبجحون بهم اليوم دون ان تتبعوا آثارهم .
ليس امامكم بعد اليوم إلا ان تهبوا لإنهاء كل ما شاهدتموه من ظلم وجور وقتل وجوع وفقر ومذلة واهانة توغلت بها احزاب الإسلام السياسي ورهطها من القوميين الشوفينيين والعنصريين المتخلفين والطائفيين الأوباش وكل من اكملوا مسيرة البعثفاشية المقيتة التي اسست لخراب وطننا ليواصل هذا الخراب خلفاء البعث من بعده .
كفى ما شاهدنا ولا نريد ان نستمر ونعيش في مشاهدة هذه المآسي التي يمر بها وطننا والتي تجره الى الإنهيار الكامل محاصصات الطائفيين وكل سياساتهم العقيمة خلال الثمانية عشر عاماً الماضية . هبوا …. والنصر للشعوب دوماً .

