السوريون في تركيا: مستقبل غامض وارتفاع الأصوات المطالبة بطردهم

منذ عام لم يفارقها الجوّال حتى في سريرها … عيناها ترقب شاشته باستمرار، أملاً في تلقي المكالمة الهاتفية التي وعدت بها منذ زيارتها الأخيرة إلى مكتب الهجرة التابع للأمم المتحدة في مرسين. تأخرت “المكالمة الأمل” كثيراً، وغدت الأيام مملّة ومثقلة بساعات الانتظار بالنسبة إلى “دينا” اللاجئة السورية في تركيا.
“الهجرة أملي الوحيد لعيش حياة كريمة”، تقول دينا، وهو اسم مستعار لابنة حلب، التي لجأت إلى المدينة الساحلية التركية عام 2014 قبل أن تتم الثلاثين من عمرها، هرباً من الموت بعد أن دمّرت جرة غاز عشوائية جزءاً من منزلها في منطقة الميدان.
قصة هجرة
خلال الأعوام الماضية تنقّلت دينا بين مهن عدة وأعمال محاولة كسب المال اللازم لاستمرار الحياة في موطنها الجديد. موضحة “كل شيء كان جديداً بالنسبة إليّ” تقول الفتاة العزباء يتيمة الأم والبعيدة من والدها الذي رفض الخروج من حلب، “مجتمع جديد، لغة جديدة، شوارع وأماكن جديدة، ثقافة وعادات وتقاليد مختلفة… كنت مضطرة للعمل فور وصولي لكسب المال الذي احتاجه كثيراً، والتعرّف إلى المدينة وأهلها، وبالتالي تسهيل التأقلم مع حياتي الجديدة”.
وتروي دينا قصة لجوئها قائلة: “بالمقارنة مع حلب، مرسين، التي تعتبر وجهة سياحية مرغوبة جداً بالنسبة إلى الأتراك والسياح والأجانب، كانت جنة بالنسبة إليّ … الحياة آمنة والماء والكهرباء والغاز وغيرها من الأساسيات متوفّرة، وحالفني الحظ في استئجار منزل ضمن بناء يضم عدداً من العائلات السورية، وكان لهم الفضل في التخفيف عني شعور الوحدة والعجز”.
لكن تلك “الفترة الذهبية” لم تدم طويلاً، حيث بدأ التدهور في البلاد، التي عززت اقتصادها في حينه مستغلة ويلات الحرب السورية. فصحيفة “صباح” الموالية للحكومة تكشف في مقالة بتاريخ 17/10/2012 مثلاً عن دخول 300 مليون دولار يومياً من سوريا محملة على ظهر الحمير، إضافة لإفشاءات المافيوزي التركي سيدات بيكير الأخيرة عن منهجية تركية لسرقة المعامل والبنى التحتية في الشمال السوري بإشراف المكتب الإداري في قصر أردوغان، عبر رجال أعمال مقرّبين منه.
“التمييز ضد السوريين في البداية كان محمولاً” وفق دينا: “في السنة الأولى من عملي لم أتعرض لمواقف عنصرية سوى مرتين، لكن الوضع بدأ يزداد سوءاً، وكثرت المواقف المزعجة في المحل، بدءاً من مالكته، التي اعتادت على تحذير صديقاتها الزائرات بأني سورية وبالتالي لا يجوز التحدّث أمامي في أي موضوع مهما كان بسيطاً، وصولاً إلى عشرات النساء اللواتي بات سؤالهن الأساسي حين معرفتهن أنني سورية قبل الاستفسار عن البضاعة وسعرها، ماذا تفعلين هنا؟ لماذا لا تعودين إلى بلدك، لقد انتهت الحرب ولم يعد هناك داعٍ لوجودك أنت وغيرك في بلدنا”، فكان قراري العام الماضي بترك المحل والاستعاضة عنه بالعمل في إعداد أطباق الطبخ والحلويات من المنزل وبيعها عبر الانترنت.
عمال… وعبيد
عبد الرزاق هو سوري يعيش في إسطنبول منذ 8 سنوات حين لجأ إليها مع أمه وأخته الأكبر ولم يكن قد تجاوز في حينه السابعة عشرة من عمره. منعه عمله الطويل مع شقيقته في ورشة للخياطة من إكمال دراسته، ورغم العمل الشاق إلا أن عائلته عاجزة عن تدبّر أمورها المعيشية من دون مساعدة الشقيق الأكبر الذي “حالفه الحظ في عام 2015 في الوصول إلى ألمانيا”.
“الورشة التي أعمل فيها، معظم عمّالها من اللاجئين السوريين” يقول عبدالرزاق ابن مدينة حلب المعروفة سابقاً بانتشار ورش الخياطة فيها، حتى يكاد لا يخلو قبو بناء في المناطق الشعبية منها، ويضيف: “نعمل لمدة 12 ساعة بينها نصف ساعة للغذاء وثلاث استراحات شاي مدة كل منها عشر دقائق، مقابل 70 ليرة تركية يومياً (أقل من 9 دولارات بقليل)”، وهو مبلغ ضئيل مقارنة مع الحد الأدنى للأجور والرواتب والمحدد في تركيا بـ 2830 ليرة تركية والتي لا تكفي للمعيشة أصلاً.
وعن سبب تحديد راتبه بـ”اليومي” يشرح عبد الرزاق قائلاً: “الغالبية العظمى من السوريين يعملون بـ”الأسود” أي بلا عقود عمل نظامية ومن دون أن يتم تسجيلهم في التأمينات من قبل صاحب العمل. يختلف الراتب بين الشهري والأسبوعي واليومي. بالنسبة إلى عمل الورش والمطاعم فإن غالبيتها تفضّل تشغيل السوريين بـ”اليومية” بحيث لا يقوم صاحب العمل بدفع أي مستحقات في العطل أو الغياب أو المرض أو السفر أو حتى توقف العمل إلى حين تدشين دفعة جديدة من الموديلات”.
يعتبر عبدالرزاق نفسه محظوظاً لأنه “يحمل كيملك (بطاقة حماية موقتة) تسمح له بالعيش في إسطنبول، بالمقارنة مع نسبة كبيرة من السوريين، الذين يحملون كيملك عائد لولايات أخرى ويعيشون هنا مضطرين من أجل العمل في جو من الرعب كلما صادفوا حاجز عناصر شرطة تركية أو حاجزاً للأمن”.
تقول دينا إن “نسبة السوريين المسجّلين كعمال نظاميين قليلة جداً… معظم أصحاب العمل يرفضون ذلك. صاحبة المحل الذي كنت أعمل فيه اشترطت عليّ منذ اليوم الأول بأن أتظاهر كزبونة تبحث عن ثياب لها في حال قدوم موظفي التأمينات”.
وحسب دينا، فإن “استغلال العمال السوريين وتجاهل حقوقهم ليس حكراً على أصحاب العمل من الأتراك بل إن السوريين من أصحاب المطاعم والورش والشركات أكثر قسوة في تشغيل اللاجئين السوريين بلا حقوق وبأجور زهيدة”. وتروي عن قيام صاحب شركة حلبي في مرسين بحبس احدى رفيقاتها العاملات لديه في المستودع وإقفال الباب عليها خلال جولة موظفي التأمين، كي لا يضطر إلى تسجيلها.
لم تفلح الجهود التي بذلتها الهيئات والمنظمات غير الرسمية التركية في حضّ أصحاب العمل على تسجيل العمال السوريين رغم الحوافز التي أعلنوا عنها وكان آخرها استعداد نقابات العمال والهلال الأحمر التركي دفع مستحقات التأمينات لأول 3 أشهر عن كل عامل يتم تسجيله. وتتّفق دينا وعبدالرزاق أن “سبب رفض أصحاب العمل تسجيل الموظفين هو رغبتهم في التحكّم بهم، حيث يكون من السهل الاستغناء عن أي عامل في هذه الحالة من دون أن يترتب على معلّمه أي مسؤولية مالية أو قانونية، إضافة إلى تشغيله براتب يبلغ ثلثي الحد الأدنى للأجور والرواتب في أحسن الأحوال ومن دون الاضطرار لدفع مبالغ اضافية للتأمينات. ويمكن لصاحب العمل أن يشغّل عاملين سوريين بـ”الأسود” بدلاً من عامل واحد نظامي بفارق راتبه ومستحقات تأميناته. بالنسبة إليهم، نحن عدد فقط… عبيد نعمل مقابل أكلنا وليسنا عمالاً لديهم حقوق”.
العنصرية غيّرت من نمط حياتنا
ويروي كل من دينا وعبدالرزاق عن التغيرات التي طرأت على حياتهما اليومية بسبب تصاعد الكراهية ضد اللاجئين السوريين في السنوات الأخيرة. “بتّ اليوم أخشى التنزّه على الساحل رغم قربه من منزلي تفادياً لنظرات وكلمات بعض الأتراك الرافضين لوجود سوريين في مدينتهم” تقول ديما، مضيفة أنني “أحاول التشبّه بالتركيات لكي لا يكتشف أحد أنني سورية، حتى أنني استبدلت الحجاب الحلبي بالتركي، ولا أتكلّم إلا في حالات الضرورة القصوى”.
أما عبدالرزاق فإنه لا ينسى، في خضم شكواه من معاملة نسبة من الأتراك، لوم بعض اللاجئين “الذين يسيئون لنا كسوريين بتصرفاتهم. كثيراً ما أصادف سوريين يصرخون ويصدرون الضجيج على ظهر قارب سياحي تحت جسر غالاطة مثلاً وهي منطقة يقصدها الأتراك للاستمتاع بمنظر البحر وأكل السمك، أو يفترشون مساحات خضراء غير مخصصة للتنزه مع الكثير من الأغراض والمأكولات حولهم وغيرها من التصرفات التي لا تليق بنا”، لكنّه في المقابل يبدي “استغرابه من ربط الأتراك اللاجئين السوريين بالنرجيلة” قائلاً: “كثيراً ما يتم تناول السوريين من قبل الأتراك عبر ظاهرة تدخينهم للنرجيلة، ولا أفهم سبب امتعاضهم منها، وكأن اللاجئ غير مسموح له ممارسة أمور عادية قد تشعره بالمتعة أو تساهم بكسر الروتين لديه”.
وكحال دينا، فإن جلّ ما يتمناه عبدالرزاق هو ايجاد وسيلة آمنة للعبور مع عائلته إلى أوروبا … “المستقبل هنا بات غامضاً جداً، والأصوات المطالبة بطردنا باتت أعلى وأكثر وقاحة من قبل”.
https://www.annaharar.com/arabic