وباء كورونا: مشكلة أخلاقية ام صحية -د. قبات شيخ نواف الجافي

 

لقد كتبت مقالة عن الأخلاق قبل فترة في سياق مختلف, وها أنا أكتب عنه مجددا في سياق آخر, نظرا  لأن موضوع الأخلاق هو الموضوع الأكثر أهمية في فكر و ضمير و وجدان الوجود البشري بعد الإيمان بوحدانية الله عز وجل. وكذلك يرى الإنسان بأم عينه يوميا الكم الهائل من الأخطاء و التجاوزات و المغالطات و المظالم و المفاسد والرذائل والتي مردها غياب وتجاهل الأخلاق في كافة مناحي الحياة المختلفة. حيث أصبح النفاق و الخديعة و الكذب في المجال الديني و الأجتماعي و السياسي و الأقتصادي علامة بارزة وفارقة لحياة الغالبية العظمى من الناس, حيث يبدون راكضين كرض الوحوش في البراري وراء منافعهم ومصالحهم الشخصية, بعيدين كل البعد عن أي وازع روحاني أو أخلاقي.

و وباء كورونا يبدو لى منذ بدايته الأولى وحتى الآن, معضلة أخلاقية قبل أن تكون صحية مرضية. لقد بدأنا الوباء بحرب الكمامات الى أن أصبحنا الآن في حرب اللقاحات.. على أية حال, لاحظت في الآونة الماضية كثرة النظريات و الفعاليات و الخطب الدينية, الأكاديمية, السياسية عن أن الحياة بعد كورونا لن تكون مئل قبلها- أي أن كورونا هي علامة فارقة في حياة البشرية وأخلاقها وفهمها وتساؤلاتها عن الكون, الإيمان, العقيدة, الوجود…الخ وكأننا في سباق مارثوني في الأقحام عن كورونا وتبعتها المتعددة. أنه لأمر جميل أن يتسابق الناس في فعل الخيرات, ولكن على تريث ودراية عنما يتعلق الفعل بالمعرفة و العلم. لا مانع في الكتابة عن كورونا وتداعياتها على كافة الأصعدة الحياتية ولكن بإيجاز, فالحدث مازال جديدا نوعا ما, ولم تكتمل معالمه الرئيسية بعد, و أخص بالذكر لمن يكتبون عن كورونا من تخصصات العلوم الإنسانية, الأجتماعية, السياسية و الدينية. فهكذا ظواهر مفصلية في حياة البشر تحتاج إلى سنوات طويلة للتأكد من آثارها و أنعكاساتها المتعددة. لقد قلت سابقا بأن كورونا ليس مرضا قاتلا بالمعنى الحرفي, و أن ونسبة وفياته على مستوى العالم حتى اليوم لا تتجاوز 4%. على أية حال, الأجراءات الصحية و الوقاية أمر واجب و ضروري ولكنه ليس بالتحول العالمي الكبير كما يراد ان يصفه الكثير.

أن التحولات الكبرى و العلامات الفارقة في حياة البشر وتبدل نظرتهم للكون, للأخلاق, للإيمان, للوجود… لا تحدث خلال شهور وبنسبة4% فقط. أنما يجب أن يكون الحدث كبيرا جدا و يطال الأغلبية العظمى حتى يحدث تغييرا كبيرا و فعالا في المجتمع البشري. على الصعيد الشخصي, لم أجد أي تغييرات كبرى وملموسة في حيات البشر و تصرفاتهم, و أن وجدت فهي محصورة ومحددة جدا. لقد عاد الناس سريعا إلى أخلاقهم وطباعهم ما قبل الكورونية وموضوع كورونا للسبب الذي ذكرته مسبقا, ليست مشكلة صحية في الكثير من الأماكن. في بعض الأماكن هي مشكلة أقتصادية أكثر مما هي صحية, و في بعض الأماكن سياسية, و في بعضها الآخر مزيج من كل ما ذكر.

ينتشر في هذه الأثناء بالذات, فيروس شديد الوطأة مع متحوره الجديد أوميكرون و الذي قد أختبر العالم سياسيا و أقتصاديا وعلميا أيما أختبار, وأظهر المشكل الأخلاقي و السياسي التي تعيشها كثير من الدول من خلال طريقة أستجابتهم لى هذا الوباء. ولكنني أريد أن أقول, أنه بالأضافة إلى الأخذ بالحسبان, الأحتياطات الصحية الوقائية الأحترازية وتحذيرات المختصين, يجب أن نقوي إيماننا بالله عز وجل ونعزز ثقتنا بأنه القادر على كل شي, وهذه ليست أول أزمة صحية تمر بها البشرية ولن تكون الأخيرة. يجب التحضير لمقاومة هذا الفيروس علميا ووقائيا بعيدا عن الخوف و الهلع التي تساهم وسائل الأعلام كثيرا في تأجيجه و تضخيمه لمآرب عدة. الفيروس ليس قاتلا بالمعنى الحرفي, ضحاياه من الموتى أذا ما تم مقارنتهم بموتى أمراض القلب و الشرايين, التدخين, حوادث السيارات, السرطان, الكحول… بالكاد يذكرون. هذا لا يعني أطلاقا الأستخفاف بالمرض وتجاهل التوصيات الصحية. وأذا ما كتب للإنسان  أن يكون هذا الفيروس سبب موته, فليعلم جيدا بأنه كان على موعد مع الأجل, و كورونا ليس إلا سببا. يقول المولى عز وجل: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).  الأعراف. الآية: 34.

وقد يتمنى البعض أن يكون وحيدا في هذه الأوقات, يعيش في كوخا على سفح جبل, و لكن الله جلى وعلى يقول:

(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ). الآية:  78

فحريا بنا جميعا أن نتعظ ونشد العروة الوثقى بيننا وبين الله بالذكر و التسبيح, وليس من خلال وضع آيات قرآنية أو ظواهر دينية على حالات شبكات التواصل الأجتماعي فقط (فهذا نفاق أونلاين), ونتحلى بالعلم و الصبر والإيمان الراسخ و الألتزام بأجراءات الصحة والسلامة, والتي من ضمنها البقاء في المنزل و عدم الخروج إلا لحاجة ضرورية, الصادرة عن أولي الأمر والجهات المختصة, فهذا الألتزام هو بمثابه آليه لأستشعار الخطر وإبعاده منا جميعا. وفي هذا الصدد, يذكرنا القرأن الكريم بالنمل عندما علموا بقدوم النبي سليمان…يقولى المولى في سورة: النمل. (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ). الآية: 18.

نسأل الله العزيز القدير الأمن والآمان من كل خوف, والعفو والعافية من كل سقم سَيء, وأن يطهر قلوبنا و أفكارنا من النفاق ويزكي أخلاقنا و أنفسنا بفضائل الأمور, فالوباء و الفيروس الحقيقي هو وباء النفاق و الحقد وعدمية الأخلاق و التعامل, فهو الذي يقتل أنسانيتنا من الداخل, ويسير بنا بنجاح باهر نحو الأمام و لكن بإتجاه الهاوية و الحضيض. و أخيرا, أستذكر بقول الله عز وجل في محكم آياته: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ). التوبة. الآية: 51.

 

One Comment on “وباء كورونا: مشكلة أخلاقية ام صحية -د. قبات شيخ نواف الجافي”

  1. من ألأخر …؟

    ١: المؤسف أن تكون الويلات والبلاوي سببا في عودة الكثيرين عن طرقهم الفاسدة والخبيثة ، والمؤسف أكثرة أنها الطريقة الوحيدة التي يفهمها معظم الناس ؟

    ٢: المؤسف أن يكون سبب هلاك الانسان ودمار قيمه هو ما وصل اليه من تقدم وعلوم ، والمؤسف أكثر إنحطاط الكثير من رجال الدين والسياسيين لابل وتعمدهم السير في ركب الشياطين ؟

    ٣:وأخيرا …؟
    تساءل يا عزيزي قباذ هل هذا كلام الله أم كلام بشر …؟
    قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ – التوبة ؟

    والاخطر إذا كان هو من كتب لنا ما يصيبنا فلما صومنا وصلاتنا وتضرعنا وحتى دينونتا ، كلام منافي لكل منطق وعقل ، سلام

Comments are closed.