في هذا الوقت العصيب والحساس للغاية، الذي يمر به الشعب الكردي عمومآ، وفي غرب كردستان خصوصآ، وعلى وجه التحديد منطقة عفرين، التي يتعرض أهلها إلى مذابح جماعية على يد الغزاة الأتراك والجماعات الإرهابية المتحالفة معها، على الكرد أن لا يفقدوا رؤوسهم، ويقطعوا هذه المرحلة العصيبة بأقل الخسائر، رغم كل الألم الذي
يعاني منه شعبنا، جراء ما يتعرض هذه المنطقة من دمار وقتل وتشريد للناس بشكل متعمد بهدف إفراغها من أهلها، وإحلال التركمان والعرب محلهم.
طاغية أنقرة أردوغان غزا عفرين لأربعة أسباب رئيسية:
الهدف الأول: هدف إستراتيجي بعيد المدى يتعلق بأمن تركيا كدولة. فالأتراك يظنون أن تكريس الكرد للفدرالية كواقع على الأرض، يقطع صلتها بالعالم العربي، وهذا ما يحجم من دورها في المنطقة، ويقزمها كثيرآ وبالتالي تصبح دولة عادية. وخاصة ترافق ذلك مع إقدام اقليم جنوب كردستان على تنظيم إستفاء حول تقرير المصير. والخوف التركي الثاني من كل ذلك تأثير هذا التحرك الكردي في كل من العراق وسوريا، على الكرد في شمال كردستان، والذين يبلغ تعدادهم حوالي ثلاثين مليون إن لم يكن أكثر. ولهذا جاء التدخل التركي العسكري المباشر في سوريا، وإحتلالها لمدينة جرابلس والباب شمال حلب، لمنع الكرد من تحقيق التواصل الجغرافي بين مناطقهم في غرب الفرات وشرقه.
ولتكريس هذا الأمر على الأرض بشكل تام، والقضاء على الحلم الكرد بشكل نهائي في إقامة كيان فدرالي خاص بهم داخل سوريا موحدة، غزا عفرين كونها المقاطعة الوحيدة بيدهم في غرب الفرات إذا إستثنينا منبج من ذلك. والسيطرة على منطقة عفرين بكاملها الواقعة في أقصى شمال غرب سوريا، يعني نهاية المشروع الكردي كما كان مخطط له على الأقل في المدى المنظور.
الهدف الثاني:هو حجز مكان لهل على طاولة المفاوضات، التي ستبت بمصير سوريا المستقبلي، وتأمين حصتها من الكعكة السورية. ولن يتحقق ذلك إلا إذا قامت بدعم المجموعات الإرهابية كجبهة النصرة وجماعة ازنكي وأحرار الشام، وإستعملتها كغطاء وطربوش لعمالياتها العسكرية التوسعية القذرة، ووضعت يدها على مساحات واسعة من الأراضي السورية. ولهذا تحاول ضم مقاطعة عفرين إلى حصتها التي تتضمن للأن كل من جرابلس، إعزاز، الباب، إدلب، ودار عزة الواقعة في غرب مدينة حلب. وهي مساحة واسعة ومهمة للغاية، لثلاثة عوامل:
– العامل الأول، يمكن لتركيا بسيطرتها على هذه المنطقة تهديد مناطق الكرد في شرق الفرات، مناطق النظام في العمق.
– العامل الثاني، قطع طريق حلب- دمشق الدولي. وهو الشريان الحيوي لمدينة حلب.
– العامل الثالث، منع إيران من السيطرة الكاملة على سوريا، وعزل تركيا عن محيطها.
الهدف الثالث ذو شقين:
الشق الأول، ذاتي يتعلق بطموحات الطاغية اردوغان، لأنه يسعى بكل ما يملك من قوة لشحظ الشعور القومي لدى الأتراك، بهدف تعزيز حظوظه في الإنتخابات القادمة، لأن هو عازم على البقاء في السلطة بأي طريقة وأي ثمن كان. ولتحقيق هذا الهدف منع أي فرد من معارضة عمليته الإجرامية في منطقة عفرين، وحول تركيا الى سجن كبير بكل معنى الكلمة، من خلال فرض حالة الطوارئ المعلنة، منذ الإعلان عن محاولة الإنقلاب المزعومة ضده.
الشق الثاني، تصدير أزماته الداخلية للخارج، والهاء المواطنين بإمور لا شأن له بهاء، كل ذلك بهدف التغطية على إجرامه في الداخل التركي، وعمليات السرقة والنهب التي يمارسها هو والمقربين منه.
لقد حقق اردوغان كل هذه الأهداف، بفضل صمت الدول الكبرى، والصفقات المشبوهة التي عقدها مع الدب الروسي. ولكن بقيا أمامه الهدف الرابع الذي يستحيل تحقيقه مهما فعل، وهذا الهدف هو التخلص من البحر الكردي الذي في النهاية ستغرقه، كما أغرق من قبله العديد من الطغاة الترك والعرب والفرس عبر التاريخ الطويل. أنا سأذهب أبعد من عفرين، وسأفترض أنا تركيا إحتلت كل غرب كردستان ومعها الجنوب الكردي أي إقليم جنوب كردستان، فماذا بعد؟؟ فإذا كانت الدولة التركية وجيشها العرمرم غير قادرة على إنهاء حزب العمال الكردستاني بعد أربعين سنة من الحرب الدامية؟ فكيف لها أن تحارب معه الكرد في سوريا والعراق؟
الكرد لم يعودوا كما كانوا قبل مئة عام أو أكثر، ولا يمكن لتركيا الطورانية إعادة الكرد الى بيت الطاعة أبدآ، حتى لو تعاملت مع الشيطان الرجيم، ودعمتها كل ارهابي العالم وطواغيته. تركيا قد تستطيع تأخير موعود ولادة الدولة الكردية في جنوب كردستان، أو لربما تستطيع عرقلة جهود الكرد لإنجاذ الفدرالية في سوريا مؤقتآ، ولكني واثق كل الثقة أن المارد الكردي خرج من القمقم وإلى الأبد.
العلة في الطواغيت والدكتاتوريين، لا يتعلمون من تاريخ الذين سبقوهم من طواغيت أبدآ، وذلك بسبب الغرور، الذي يصيبهم نتيجة بقائهم فترة طويلة في كرسي الحكم. لو أمعن الطاغية اردوغان في ما حدث للقذافي وصدام، وشاه ايران، وجاوجيسكو وغيرهم الكثيرين حول العالم، لأدرك أنه على الجانب الخطأ من التاريخ، وراجع أفعاله الشريرة والإجرامية بحق الكرد والأتراك معآ.
وختامآ، على الكرد أن يدركوا أن هذه معركة من حرب طويلة ومفتوحة بين الدولة التركية وبينهم، وقد تدوم لأجيال وأجيال. المهم الأن وقبل كل شيئ أخر، هو الحفاظ على البقاء الكردي في عفرين، وعدم السماح للأتراك بتتريك أو تعريب المنطقة وتغير هويتها بأي شكل كان، وإلا سيكون مصيرها كمصير الأراضي الفلسطينية، التي لليوم لا يستطيعون العودة اليها.
17 – 03 – 2018

