اليوم العالمي للسكان … يوم العار والنفاق  – الاستاذ الدكتور خليل شمه

اكثر من 15 مؤسسة وكيان وعشرات أخرى متفرعة منها تابعة لهيئة الامم المتحدة (يا لفرحتنا وسرورنا)، حيث يعتمر صدر الانسان أملا بحياة ً آمنة هادئة وصولا الى القليل من الآمن وبعض الرفاهية .
لست هنا بصدد ذكر عدد هذه المنظمات وتصنيفاتها او اهدافها، بل سينحصر بنشاطات الامم المتحدة التي تتعلق بالسكان، نعم سكان عالمنا، الذي يجمع بين اركانه 8 مليار من البشر وهم في حيرة من امر غدهم ومستقبل ابنائهم.
والحق يقال انه وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، أحرزت المجتمعات في مختلف أنحاء العالم تقدما ملحوظا في تحسين جمع البيانات السكانية وتحليلها واستخدامها. وارقام السكان الحديثة تعكس جانبا هاماً في تصنيف السكان وفقاً للعمر والجنس والعرق وفقا لتنوع طبيعة المجتمعات. وقد عززت هذه التطورات بشكل كبير تقدم الرعاية الصحية على مستوى العالم، مما أدى إلى تحسينات كبيرة في الصحة الجنسية والإنجابية والقدرة على ممارسة الحقوق والخيارات. وعلى نحو متزايد، تمكنت التقنيات الجديدة من قياس تجارب الناس بشكل أكثر تفصيلا وفي الوقت المناسب أكثر من أي وقت مضى.
ومع ذلك، تظل المجتمعات الأكثر تهميشا غير ممثلة في البيانات، مما يؤثر بشكل عميق على حياتهم ورفاهيتهم وعلى الخطط التنموية المتعلقة بمستقبل السكان في العالم، حيث بلغ تعداده اليوم اكثر من ثمانية مليار، ومن المتوقع ان يصل تعداداه الى ثمانية ونصف مليار في عام 2030 ومن المتوقع ان يصل الى ما يقرب من 10 مليار نسمة عام 2050.
أن مثل هذا التطور الهائل في نمو عدد السكان في العالم سينعكس سلبا في تحقيق التنمية الاقتصادية والعمالة والدخل والفقر والحماية الاجتماعية. وان مثل هذه الاتجاهات ” الهائلة ” ستخلف آثاراً اكثر سلبية على الجهود – وهي اصلا ضعيفة – المبذولة في ضمان حصول الجميع على الرعاية الصحية والتعليم والصرف الصحي والمياه والغذاء والتالي يتعلق بالسكان، الخطر الاكثر فتكاً بالبشرية. وهنا وبهدف تلبية احتياجات سكان العالم ونحن نحتفل بيومه ” البائس” كما نحتفل بباقي ايام الامم المتحدة كيوم العمال ويوم الفلاح والمدرس والمناخ والطالب ووو. فعلى الحكومات وصانعي السياسات التخطيطية أن يعيشوا واقع حال سكان مجتمعاتهم، وبعكسه لاجدوى من القيام باحتفالات مثل هذا اليوم.
وفي عشية احتفال العالم بيوم سكانه نضع بعض الحقائق وألارقام امام حكوماتنا وامام هيئة الامم المتحدة التي كانت عاجزة وتعجز في تفعيل ادواتها لتغيير الواقع التالي:
–  اكثر من 50% من نساء عالمنا مسلوبة الحق في اتخاذ القرارات المتعلقة بالصحة الجنسية والحقوق الإنجابية.
–  ما لا يقل عن واحدة من كل أربع نساء في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تحقق الخصوبة المرجوة.
–   كل دقيقتين تموت إمرأة بسبب الحمل أو الولادة (ويتضاعف هذا العدد في حالات النزاع، حيث يكون عدد الوفيات أعلى بمرتين).
–  تعرضت ثلث النساء لعنف الشريك الحميم أو العنف الجنسي من غير الشريك أو كليهما.
–  هناك 6 بلدان فقط لديها نسبة 50% أو أكثر من النساء في البرلمان.
–  هل تعلم أن أكثر من ثلثي الـ 800 مليون شخص على مستوى العالم الذين لا يستطيعون القراءة هم من النساء.
–  امتلكت أعلى شريحة، التي تمثل 1% من السكان على 46% من كل الأصول التي يمتلكها البشر، بينما امتلك أغنى 10% من الأثرياء 82% من الثروة العالمية.
وفي سياق الحديث عن اليوم العالمي للسكان وجب على كل مواطن وطني في العالم ان يستذكر الكارثة السكانية لفلسطين المحتلة، وغزة نموذجا للابادة الجماعية، لتكون عار على الجميع وفي مقدمتهم هيئة الامم المتحدة المتخاذلة المتواطئة مع المحتل الفاشي وترامب المحتال. فهيئة الامم المتحدة ليست اداة دولية بحق بل هي مستعٌمرة للدول الاوربية والولايات المتحدة الامريكية. فهي اي “الهيئة” رغم تنديداتها وشجبها واستنكارها للعدوان الاسرائيلي والتنكيل اللاانساني بحق سكان غزة والضفة الغربية المعلنة ظاهراً وفي الباطن تخضع بالمطلق للإملاءات الصهيونية والفاشية الجديدة.
أن ما يجري لسكان فلسطين المحتلة اليوم شهادة على فضح هشاشة القيم الدولية التي تعمّدت أن تصمّ آذانها. لا تتباكوا على السكان في اوكرانيا وانتم تباركون بالصمت على جثث الاطفال في رفح والشجاعية وفي لبنان واليمن وسوريا وإيران … مواقفكم وبتأييد مبطن من بعض الحكام العرب ليس إلا شهادة زور. فكل صاروخ يطلق اليوم في سماء الابطال هو اعتراف مجتعي بأن العجز الاخلاقي انتصر على كل ما تبقي من حكمة وإدراك ووعي.
الإبادة الجماعية وتهجير السكان وتدمير وقصف خيام اللاجئين الفلسطينيين ومنع الغذاء والدواء والماء على الاطفال الرضع من سكان فلسطين سيكون عاراً ان نحتفل باليوم اللاعالمي للسكان مع الابتسامة السخرية للاستعماريين على شعوب تكافح من اجل بناء سقفاً على رؤس اطفالهم وملجئاً لحماية المتبقي من افراد عوائلهم. فمنسوب العقل انخفض حتى غدا معدوما. ومن وراء الستار ثمة من يراقب بدهاء، كم فلسطينيا سيُولد في الزنازين أو تحت الردم؟ كم طفلاً سيفقد أباه قبل أن يعرف اسمه؟ وكم عاصمة ستعتاد أن ترى المجازربحق السكان كأحداث جانبية في نشرة الأخبار المأجورة ؟
غزة لا تحتاج منّا رثاءً، بل تحتاج أن نعيد ترتيب ضمائرنا تحت أنقاضها.
وأخيرا إن الجرائم اليومية التي يندى لها جبين الإنسانية، فتحت آفاقًا جديدة لمواجهة دولة إسرائيل وسياسة النفاق الغربي، ودموع التماسيح التي يذرفها قادة مثل ستارمر البريطاني، وماكرون الفرنسي، وكارني الكندي وبعض المتطبعين من الحكام العرب. فهيا الى الاحتفال لا فرحا بالسكان بل برفع القبضة بوجه صانعي هذا اليوم وبوجه كل المتواطئين المنافقين وعبدة كرسي الحكم.