٣\٨\٢٠٢٥
عندما إندلعت ثورة الشباب فی مدينة السلیمانیة فی أقلیم كوردستان العراق بتأريخ ١٧\٢\٢٠١١ كانت لتبدأ بتطور سليم للمجتمع وذلك بتطبيق الإصلاح الإجتماعي ضد الفساد ، لولا المواجهة المسلحة من قبل السلطات المحلية ضد المتظاهرين، و محاولة الأحزاب المسلحة الكلاسیكیة لتسییس ثورة الشباب فی عقر دارها، مما أدی إلی إنسحاب الشباب من ساحة الحریة “سرای ئازادی” ولجوئها إلی الهدوء والتریث والإستمرار بالنهج السلمي للثورة واتساعها وتطویرها تدریجیا لكی تنبثق فی بهدینان أیضا وتۆدی بنخبة من الشباب الثائرإلی الترشيح فی الإنتخابات و من ثم إلی دخول البرلمان فی كوردستان العراق.
بعد إعلان أوجلان فی ١٣ أذار سنة ٢٠٢٥ عن إنتهاء مرحلة الكفاح المسلح والإنتقال إلی النضال السلمي، تحول الخطاب الكوردی بصورة عامة نحو تسییس دور السلام فی الحركة التحرریة فی كوردستان بصورة عامة وذلك بعد أن تبين كیف أن إستعمال السلاح قد ساعد فی ربط هذه الحركة بالإرهاب من قبل تركيا وغيرها من الدول الغربیة ، الأمر الذی أدی إلی تعميق الخلاف بین المسالمین و المحاربين من كلا الجانبين الكوردی والتركي وتعميمه علی جميع أجزاء كوردستان والدول التی تتقاسم كوردستان من تركيا إلی إيران وعراق وسوريا. بالرغم من التجاوب الإیجابی الذی تلقاه نداء أوجلان فی المجتمع الكوردستانی والأقلیمی والعالمی ألا أن التطبیق العملی لعملية السلام ظل یسیر بطیئا نتيجة لعمق الجرح الذی كونه السلاح فی نفسية الشخص والمجتمع علی مدی أجيال فی كوردستان. وهذا يجعل من الصعوبة تحول المقاومة من إستعمال السلاح إلی مقاومة سلمية فعالة للحصول علی الحقوق و المكاسب، ماعدا التقدم الملحوظ فی نموذج روژئاڤا عابر الأزمات ، و الذی یتبنی إدارة ذاتية تعتمد علی التعددية والمساواة بمشاركة المرأة فی القيادة، والإحتفاظ بالمقاومة السلمیة وسيلة فعالة للتعامل مع السلطة الجديدة فی دمشق. وبالرغم من العراقيل التی تأتي من الأوضاع الحرجة للحكومة الإنتقالية فی سوریا الجديدة، یتمتع هذا النموذج فی شمال و شمال شرق سوریا بأنه النظام الأصلح للإدارة لیس فقط للمنطقة التی تسيطر عليها الإدارة الذاتية حالیا بل لعموم سوریا إعتبارا من “مقاومة العصر” فی عفرين إلی تأسيس الشرق الأوسط الأمين.
فی المجتمعات الخارجة من الحرب أو العالقة فيها، كما هو الحال فی كوردستان، لا تكون آثار السلاح جسدية فقط. فالرصاصة التي تقتل الجسد تترك خلفها جرحًا في النفس و شقوقًا في النسيج الاجتماعي تستمر لسنوات وربما لأجيال یمر الشعب خلالها بمرحلة حرجة يسودها الفساد الذی يصعب التخلص منه تحت سلطة الأحزاب المسلحة كما ذكرنا أعلاه . من هنا، يمكننا أن نقول إن الإصلاح ليس فقط مشروعًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل هو أولاً مشروع نفسيإجتماعي لا يمكن أن يتحقق في ظل أصوات البنادق. ففي كوردستان، حيث تراكمت التجارب العنيفة – من القصف الكيميائي إلى الاقتتال الداخلي، ومن الحرب ضد داعش إلى عسكرة الحياة المدنية – تشكلت ذهنية جماعية مرتبكة ومجروحة. الإنسان الذي يعيش في ظل السلاح باستمرار يُصاب بتشوهات في نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى مفهوم الدولة والمجتمع. و فی مجتمع كوردستان الجماعی لازالت تربية الطفل تجري وفق الخائات الثلاث (الخوف والخجل والخطیئة). و عندما تكون السلطة محمية بأحزابها المسلحة، يشعر المواطن البسيط بعدم وجود القانون وبأن العدالة انتقائية. هذا يخلق ما يسميه علماء النفس الاجتماعي بـ”ثقافة الخوف”، حيث يصبح الخوف هو المحرك الرئيسي للسلوك: الخوف من التعبير و من الإنتقاد و من المشاركة. وهذا الخوف الجماعي يمنع المجتمع من المطالبة بالإصلاح بجرأة، ويجعل الناس تفضل السكوت على المعاناة بدلاً من المخاطرة بالمواجهة.
نحن لا نحتاج فقط إلى “نزع السلاح” بالمعنى العسكري، بل إلى تحرير العقل والروح من أثر السلاح. نحتاج إلى مصالحة نفسية واجتماعية تبدأ بالاعتراف بالجراح وفتح باب النقاش وخلق بيئة يشعر فيها الناس أن الكلمة لا تقل وزنًا عن الرصاصة. نحتاج إلى مؤسسات مدنية لمعالجة الفساد بدلا من تسییسه، إلى إعلام حر، إلى مدارس تدرّس قيم السلام، لا تمجّد العنف. وقبل كل شيء، نحتاج إلى سكوت السلاح، لكي يُسمع صوت الإصلاح. حين يسكت السلاح، لا تسكت فقط المدافع، بل تبدأ القلوب بالكلام، وتبدأ المجتمعات بالتنفس، وتبدأ العقول بالتفكير بحرية. ولذلك، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي في كوردستان قبل أن يُنزع السلاح من السياسة، وتُعاد الثقة بين الفرد والدولة، وبين الفرد ونفسه. لأن الإصلاح ليس ورقة تُكتب، بل نفس تُشفى، ومجتمع يُعاد بناؤه على السلام، لا على الخوف. والفساد یمكن معالجته والوقاية منه كأی مرض آخر.

