الصورة التي نستحقها: في الفلسفة البصرية للبقاء – بوتان زيباري

في زمانٍ لم تعد فيه الكلمات تُصدق، ولا الخرائط تدلّ على الأرض، تأتي الصورة كشهادةٍ أخيرة. ليست شهادة على الحرب، بل على الحياة. ليست وثيقة دمار، بل بصيص تمرّد على الفناء.

لأنه في لحظات الانهيار الكبرى، لا يبقى من الإنسان سوى صورته — ليس وجهه، بل الصورة التي يختار أن يُظهر بها نفسه للعالم. تلك الصورة ليست تزيينًا، ولا دعاية، بل اعترافًا بالوجود.

لقد عرفت سوريا أن تُرى بعين القنابل، وقُيست بمقاييس الدمار. كل صورة نُشرت عنها في السنوات الماضية كانت كأنها جنازة جماعية: دخان، أنقاض، أطفال مذهولون، نساء يبكنَّ من دون صوت. صور صادقة، نعم، لكنها صورٌ جُمعت من زاوية واحدة: زاوية القتل.

والسؤال الذي لم يُطرح: من يملك حق اختيار الزاوية؟

من يقرر ماذا يُرى، وماذا يُنسى؟

لقد أصبحت الصورة في عصرنا سلطة.

سلطة تُشكّل الوعي، وتُعيد تعريف الواقع.

فمن يسيطر على الصورة، يسيطر على الذاكرة.

ومن يسيطر على الذاكرة، يكتب التاريخ.

لكن هناك نوع آخر من الصور.

ليست تلك التي تُلتقط بعد الانفجار، بل قبله.

ليست التي تُظهر الجثث، بل التي تُظهر اليد وهي تمتدّ لتنقذ.

ليست التي تُبرز الفرقة، بل التي تُظهر الالتقاء تحت شمس واحدة، على أرض واحدة، في نفس الهمّ.

ما من شعب انهار كما انهار السوريون، وما من شعب ظلّ واعيًا لذاته كما ظلّوا. في خضمّ التفتت، تشكل وعي جديد: أن البقاء لا يعني فقط النجاة من القنابل، بل الإصرار على رؤية مختلفة للعالم. رؤية لا تقبل أن تُختزل في طائفة، ولا تُختزن في عرق، ولا تُختطَف من قبل سلطة تدّعي التمثيل.

وهنا تولد فكرة بسيطة، لكنها ثورية:

ماذا لو اخترنا صورة واحدة تمثلنا؟

ليست صورة وطنية بمعنى العلم أو الشعار، بل صورة إنسانية، تُجسّد التنوّع كجوهر، لا كاستثناء.

صورة لا تُخفي الاختلاف، بل تُظهره كقوة.

صورة لا تُنكر الألم، لكنها ترفض أن يجعله الهوية الوحيدة.

الصورة، في هذا السياق، ليست ترفًا بصريًا، بل موقفًا أخلاقيًا.

موقف من يرفض أن يُختزل.

موقف من يرفض أن يكون مجرد ضحية، أو مجرد مقاتل، أو مجرد طائفة في لعبة كبار.

موقف من يقول: نحن هنا، ليس لأننا نريد أن تُشفقوا علينا، بل لأننا نريد أن تَرَونا.

لقد عرفت الأنظمة أن تحكم بالصورة: صورة الرئيس فوق الساحة، وصورة الجيش في المدرسة، وصورة العدو على الشاشة.

أما من يعيش على الحافة، فيعرف أن الصورة قد تكون آخر سلاحٍ له.

سلاح لا يقتل، بل يُحيي.

لا يقسّم، بل يُوحّد.

لا يُبقي على الأنقاض، بل يُنبت تحتها زهرة.

الصورة التي نفكر في اعتمادها كمدخل لكل كلام عن سوريا، ليست صورة مثالية.

ليست تلك التي تُظهر احتفالاً مصطنعًا، أو تجمعًا تُركّب فيه الوجوه.

بل صورة حقيقية، لكنها مُختارة بعناية: صورة يد تُمسك يدًا، وعين تنظر إلى عين، وصمت يحمل أكثر مما تحمله الكلمات.

صورة تقول: نحن مختلفون، لكننا نعيش معًا.

نختلف، لكننا ندافع عن بعضنا.

نحزن، لكننا لا نستسلم.

إنها صورة اللامركزية الإنسانية.

دولة ليست في قصر، بل في نظرة.

وحدة ليست في شعار، بل في فعل.

وطن ليس في حدود، بل في رغبة مشتركة في البقاء.

وقد يقول قائل: ما فائدة صورة واحدة في مواجهة قوة السلاح والمال والدبلوماسية؟

لكن التاريخ لا يُكتب بالأسلحة فقط.

يُكتب بالذكريات.

باللوحات.

بالقصص.

بالصور التي تُورّث.

صورة واحدة، متكررة، مُعتمدة، مُشار إليها، قد تصبح رمزًا.

ورمز واحد، في زمن التفتت، قد يكون بذرة وطن.

لقد ماتت الدولة التي وعدت بالوحدة، لأنها بنَت وحدتها على نفي الآخر.

أما الدولة التي قد تولد من تحت الرماد، فستُبنى على الاعتراف المتبادل.

ولن تبدأ بدستور، بل بـصورة.

صورة تقول: نحن جميعًا هنا.

وليس من حق أحد أن يُمحينا من المشهد.

لذلك، دعونا نختار الصورة التي نستحقها.

ليست الصورة التي تُظهر ما نحن عليه الآن، بل ما نريد أن نكون.

ليست صورة الماضي، بل وصية للمستقبل.

في النهاية، الإنسان لا يُعرف فقط بما يفعله، بل بما يُظهره.

والأرض لا تنسى من يزرعها،

ولا من يُصوّرها بعين الحب، لا بالكراهية.

الصورة، إذًا، ليست ترفًا.

هي آخر حدود الكرامة.

وأول خطوات العودة.

بوتان زيباري

السويد