في لحظات الانهيار، حين تتهاوى الجدران وتتقشّع الوجوه، تُكشف الحقيقة كما تُكشف العورة في وسط السوق: ليست الجلالة في التاج، ولا العظمة في القصر، بل في ما يحمله الصدر من أخلاق، وما تسكنه النفس من كرامة. وها هي دمشق، أم المدن، تشهد مسرحًا تراجيديًا يتكرر بوجوه جديدة وثياب مستعارة، حيث دخل الثور إلى القصر مرتين، الأولى بخطواتٍ متثاقلةٍ مختبئةٍ خلف دخان الدبابات، والثانية بعباءةٍ مزيفةٍ تتشح بالدين كقناعٍ للانقلاب. بشار الأسد، الذي هرب من مواجهة شعبه إلى ملاذات روسية وإيرانية، جلس على عرشٍ بُني على أنقاض البيوت ودماء الأطفال، ثم جاء أبو محمد الجولاني، يمشي في قصورٍ لم تُبنَ له، يرتدي ثوب “الخلاص” بينما خلفه دمارٌ من الجوع والخوف.
لكن الحقيقة البالغة، التي لا تُخفى على من ينظر بعينٍ صافية، هي أن دخول الثور إلى القصر لا يُحول الثور إلى ملك، بل يُحوّل القصر إلى حظيرة. فليست الأماكن، مهما علا سقفها أو تزيّنت جدرانها بالرخام، هي التي تمنح من يسكنها شرفًا أو مشروعية. بل العكس هو الصحيح: الإنسان هو الذي يُعلي المكان، أو يُدْنيه. فلو جلس نبيٌّ في حظيرة، صارت الحظيرة محرابًا، ولو جلس طاغية في قصرٍ من ذهب، بقي القصر سجنًا، والطاغية عبدًا لغروره.
هل يختلف الجولاني عن الأسد إلا في شكل الخيانة؟ هذا يرفع راية الدين، وذاك يُنادي بوحدة الوطن، ولكن كلاهما يعاني من داء واحد: فساد الضمير، وانفصال تام عن هموم الشعب وآماله. حكم الأسد بالحديد والنار، ثم لاذ بالفرار حين لم يبقَ في البلاد ما يُحرق أو يُدمّر، أما الجولاني فقد استثمر في الفوضى، وحوّل مسيرة الثورة المطالبة بالحرية إلى سلطةٍ جديدة، يُسمّيها “تحريرًا”، بينما يُقتل الناس، وتُنتهك أعراضهم وتُمثّل بجثثهم، لا لذنب ارتكبوه سوى أنهم لم يكونوا من أتباع المذهب الذي يُفرض من قصور الثوار الجدد. وهكذا، ما بُني باسم التغيير والخلاص، انقلب إلى نظام قمعٍ آخر، لا يختلف في جوهره عما سبقه، سوى بلحيةٍ أطول، وكلماتٍ مزيّفة تتلبس لباس التقوى.
وإذا تصفّحنا الفضاء الرقمي، نجد صدى هذا التأمل في مئات المقالات والتحليلات، في تغريداتٍ موجعة، وفي قصائد شعبية تُنشد في الخفاء. هناك من كتب: “الثورة لم تُسقط نظامًا، بل استبدلت ثورًا بثورٍ آخر”، وهناك من قال: “السلطة لا تُغير الإنسان، بل تُظهر ما في داخله”. حتى في الأدب العالمي، نجد صدى هذا المبدأ: في “الأسد والثور” للكتاب الهنود، وفي مسرحيات شكسبير حيث يرتدي الخائن تاج الملك، لكنه يسقط لأنه لا يملك شيئًا سوى الخوف. الحكمة واحدة، وإن اختلفت اللغات.
إن ما يحدث في سوريا اليوم ليس مجرد تغيير في الحُكّام، بل هو كشفٌ مريرٌ عن طبيعة السلطة: أنها لا تُعطي الشرعية، بل تستعيرها من الشعب، ومتى فقدت هذه الشرعية، صارت مجرد قصرٍ فارغٍ، تسكنه أشباح، وتدور حوله الذباب. فالجولاني، مهما تكلم بلسان الفقه، ومهما عقد الاجتماعات، لن يُعيد للقصر هيبته ما دام لا يملك قلب الشهيد ولا ضمير الثائر. والأسد، مهما عاد بدعمٍ من موسكو وطهران، لن يكون سوى هاربٍ في قصرٍ تحول إلى متحفٍ للعار.
في النهاية، لا يُقاس العظمة بمكان الجلوس، بل بمكانة الفعل. فالناس لا يتذكرون القصور، بل يتذكرون من عدل فيها، أو من ظلم. وسوريا، التي عاشت آلاف السنين، ستبقى، لكن أسماء الحُكّام ستُمحى من الذاكرة كأبخرةٍ في الصباح. لأن التاريخ لا يُكتب بالدبابات ولا بالخطب، بل بالدم، وبالحقيقة، وبمن يُعيد للإنسان كرامته، لا بمن يُحول القصر إلى حظيرة، ويُسمّي ذلك “انتصارًا.”

