تقرير: دعوة للاعتراف بحقوق العراقيين الذين توفيوا خارج الوطن بسبب الاضطهاد السياسي قبل 2003 – نداء من أجل العدالة والذاكرة الوطنية

تُعدّ الهجرة القسرية من أبرز سمات التاريخ السياسي الحديث للعراق، حيث دفع آلاف العراقيين ثمن نضالهم من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية بفقدان وطنهم، وغالبًا ما انتهت حياتهم في المنفى، بعيدًا عن تراب الوطن الذي حلموا بإصلاحه وتحريره.
إن التضحيات الجسيمة التي قدّمها العراقيون الذين اضطُهدوا تحت أنظمة قمعية مثل نظام صدام حسين وعبدالسلام عارف، واجبروا على الهجرة أو القتل خارج العراق قبل عام 2003، تستدعي موقفًا وطنيًا جادًا من الدولة العراقية، يتمثل في الاعتراف بهم كشهداء وسجينين سياسيين، وتمكين عوائلهم من الحقوق المترتبة على هذا الوضع.

أولًا: من هم هؤلاء المغتربون؟

إن العراقيين الذين غادروا العراق قبل عام 2003، وقضوا نحبهم في الخارج، لم يكونوا مهاجرين اقتصاديين، بل كانوا:

  • مثقفين، معارضين سياسيين، نشطاء حقوقيين، طلابًا، وعسكريين معارضين لنظام الحكم القمعي.
  • تعرضوا للتهديد، السجن، التعذيب، أو الإعدام، فاضطروا إلى الفرار للنجاة بأنفسهم.
  • عاشوا حياة صعبة في المنفى، وغالبًا ما ماتوا وهم يحملون حلم العودة إلى وطن حر.
  • لم تُكتب لهم العودة، وانتهت حياتهم في بلدان المهجر، وهم يُعتبرون شهداء الغياب، لا شهداء المعركة.

ومن العدالة أن يُعترف بهم اليوم كـ شهداء الوطن، ليس فقط لوفائهم، بل لدورهم في كشف جرائم الأنظمة السابقة، ونقل صوت الشعب العراقي إلى العالم.

ثانيًا: لماذا يجب اعتبارهم شهداء وسجينين سياسيين؟
  1. الهجرة كانت قسرية، وليست اختيارية
    لم يهاجر هؤلاء العراقيون طلبًا للثراء أو الراحة، بل اضطروا إلى الهجرة خوفًا من القتل أو السجن.
    فالهجرة القسرية تحت التهديد السياسي هي شكل من أشكال الاستشهاد البطيء.
  2. قدّموا التضحيات من أجل العراق
    كثيرون منهم نشروا الوعي السياسي، وشاركوا في حركات المقاومة السلمية، ووثّقوا الانتهاكات، ودافعوا عن حقوق الإنسان.
    بعضهم كان يُعتبر “ممنوع العودة” تحت طائلة الإعدام.
  3. الوفاة في المنفى هي نتيجة مباشرة للقمع السياسي
    ظروف الحياة الصعبة، الحرمان من العلاج، الاكتئاب، وفقدان الأمل، كانت من نتائج الظلم الذي عانوه.
    وبالتالي، فإن وفاتهم مرتبطة مباشرة بالقمع الذي مارسته الأنظمة السابقة.
  4. العدالة التاريخية تقتضي التكريم
    لا يمكن بناء دولة ديمقراطية دون مواجهة الماضي، وتكريم ضحايا الظلم.
    إن تجاهل هؤلاء يعني طمسًا للذاكرة الوطنية، وتشجيعًا على تكرار الجرائم.
ثالثًا: الفرق بين الهجرة قبل 2003 وبعدها

من المهم التمييز بين فئات المهاجرين:

لأسباب سياسية واضحة (الاضطهاد، القمع)
غالبًا لأسباب اقتصادية أو أمنية
ضحايا الأنظمة القمعية
غالبًا بحثًا عن حياة أفضل
لم يكن لديهم خيار العودة
يُمكن العودة في أي وقت
يمثلون ضحايا الظلم
لا يُعدّون ضحايا سياسيين تلقائيًا

كما أن من هاجروا بعد 2003  كان بينهم أيضا من الموالين للنظام السابق غالبًا و كانوا يُحاولون الهروب من المساءلة عن جرائم ارتكبوها، وليس بسبب نضالهم من أجل الشعب.

رابعًا: حقوق يجب أن تُمنح للشهداء والعوائل

نُطالب الحكومة العراقية والقوى السياسية الوطنية باتخاذ خطوات فورية لتكريم هؤلاء الأبطال، وتتضمن:

  1. إصدار قانون يُعترف بمن توفي خارج العراق بسبب الاضطهاد السياسي قبل 2003 كشهيد.
  2. منح عوائلهم نفس الحقوق الممنوحة لعوائل الشهداء والسجناء السياسيين، ومنها:
    • رواتب تقاعدية أو معاشات شهرية.
    • الأولوية في التعيينات العامة.
    • تخصيص قطع أراضٍ سكنية.
    • تغطية طبية مجانية.
    • منح دراسية لأبناء الشهداء.
  3. إدراج أسمائهم في السجل الوطني للشهداء، وإقامة نصب تذكاري لهم.
  4. فتح ملفاتهم في دوائر الشهداء والسجناء السياسيين، مع إمكانية تقديم الوثائق البديلة (شهادات، رسائل، وثائق من جمعيات سياسية، شهادات من جهات دولية…).
  5. تشكيل لجنة وطنية مستقلة لمراجعة الطلبات واعتمادها بناءً على الأدلة.
خامسًا: موقف من الحكومات اللاحقة

من المهم التوضيح أن هذا المطلب لا يعني تبرئة الحكومات التي جاءت بعد 2003 من تقصيرها أو فسادها.
فالعراق ما بعد 2003 شهد تحديات كبيرة، وتغلغل الطائفية، وتفشي الفساد، وضعف المؤسسات.
لكن ذلك لا يُبرر تجاهل التضحيات السابقة، ولا يمنع الدولة من تصحيح أخطاء الماضي، وبناء مفهوم وطني شامل للعدالة.

الاعتراف بالشهداء السابقين لا يُضعف الدولة، بل يُعزز شرعيتها، ويُظهر أنها دولة عادلة، تحترم تاريخها، وتكافئ التضحيات.

الخلاصة والتوصيات

إن العراقيين الذين اضطروا إلى الهجرة والنفي، وقضوا نحبهم في الخارج بسبب نضالهم ضد الأنظمة القمعية، هم شهداء الوطن، وسجينون سياسيون بلا سجون، ومقتولون بلا رصاص.
لقد دفعوا الثمن الأغلى من أجل حلم بعراق حر عادل، وعليه أن يُكرّمهم اليوم.

نداء إلى الحكومة العراقية والقوى الوطنية:
  1. أصدروا قانونًا خاصًا يُعترف بحقوق العراقيين الذين توفيوا خارج الوطن بسبب الاضطهاد السياسي قبل 2003.
  2. شكّلوا لجنة وطنية لدراسة الملفات واعتماد الشهيدات.
  3. أدرجوا أسماء هؤلاء في السجل الوطني للشهداء، وخصصوا لهم يوم تكريم وطني.
  4. أطلقوا حملة توثيق لقصص هؤلاء المغتربين، لتعزيز الذاكرة الجماعية.
  5. اجعلوا هذا التكريم جزءًا من مشروع المصالحة الوطنية، لا مجرد إجراء بيروقراطي.
خاتمة

العراق لا يُبنى فقط بالمؤسسات والطرق والكهرباء، بل يُبنى أيضًا بالعدالة، والذاكرة، والوفاء.
إن تكريم هؤلاء الذين ضحّوا من أجله، هو ليس منة من الدولة، بل هو واجب وطني وأخلاقي.
فلن يُبنى مستقبل عظيم على نسيان الماضي، بل على احترامه، وتكريم ضحاياه.

الشهيد لا يموت مرتين، لكنه يموت ثانية إذا نُسي.

واليوم، نطلب من العراق أن لا ينسى أولئك الذين آمنوا به، وعاشوا منفيين من أجله، وماتوا وهم يُنادون باسمه.جهة الاقتراح: إلى مجلس النواب العراقي، وزارة الشهداء والضحايا، والقوى السياسية الوطنية