تحليل سياسي- أزمات امريكا اللاتينية وغياب الاعلام العراقي- الاستاذ الدكتور خليل شمه

 

لا يحظى العراق بالكثير من العلماء والخبراء والقدرات البشرية فحسب، بل عراقنا بعد الاحتلال الامريكي أخذ منحى ديمقراطيا فتح ابواب الحريات الإعلامية بلا قيود، وقيام منصات وشبكات التواصل الاجتماعي ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها من تنظيمات الحراك السياسي بوجود أكثر من 200 حزب وكيان وتكتل سياسي. ولاشك ايضا في أن هذا الكم الهائل من الحريات السياسية والاجتماعية في العراق أدى ويؤدي الى إنهيار القيم المعنوية لمضامين مفهوم الديمقراطية الهادف الى بناء مجتمع مدني حضاري يسوده العدل والمساواة بعيدا عن المحاصصة والتوافق اللاوطني. هذا التخبط في المشاريع والإجندة السياسية للقوى المتنفذة والمهيمنة على مراكز القرار السياسي المتعلق بمصير ومستقبل العراق، هذا التخبط أبعد النظام عن مشاركتة أو متابعته الفاعلة للاحداث والازمات الدولية. كما ان مثل هذا التخبط والفلتان السياسي هو ايضا نتاج الرؤية الفردية لطبيعة حراكهم السياسي في التحكم بالمواقع والمراكز الإدارية داخل الحكم في العراق للاستحواذ على أكبر قدر من المغانم المادية على حساب السواد الاعظم من الشعب العراقي (الأنانية المفرطة) دون الاخذ بنظر الاعتبار ما يدور خارج العراق من أحداث ومتغيرات جيوسياسية لما لذلك من أهمية في تعزيز مكانة ودور العراق في المحافل الدولية كما كان عليه العراق سابقاً.

في هذا السياق، نقدم دولة فنزويلا في امريكا اللاتينية، نموذجا لغياب سياسيي الدولة وخبراء ومحللي الاعلام عن احداث عالمية وأزمات سياسية متشابكة من شأنها المساس بمستقبل العراق سياسيا – بوادر قيام الانقلاب والتهديدات بالعقوبات واقتصاديا- تعقيدات القطاع النفطيواجتماعيا – الفتن والفوضى.

في السياق ذاته، نجد ان هذا الغياب السياسي لدولة العراق لا يتعلق بقارة أمريكا اللاتينية وحدها فقط، وإنما يشمل كل القارات كأفريقيا وجنوب شرق آسيا وجنوب شرق أوربا. فالسؤال الذي يدور في مخيلتي السياسية المتواضعة هو: هل يا ترى أن الزعماء ووسائل الإعلام في العراق على دراية او إلمام بالعلاقات الدولية وما يجري في العالم؟. وهل هم على علم ومعرفة أو تحليل الازمات العالمية العسكرية كانت أو الاقتصادية التي تعصف بعواصم دول كفنزويلا أو كوبا او اوكرانيا أو في بعض دول أفريقية أو الآسيوية او تداعيات المخططات الصهيونية  في العالم الإسلامي. والجواب: ساطع كنور شمس العراق الحارق… وبالمقابل، ولا بأس من القول، انهم، أي الإعلام العراقي ومن ورائه، منشغلا كثيرا كثيرا بأدوات سياسية لإثارة النزعات الطائفية وتعميق مفاهيم المحاصصة وتفتيت القوى الوطنية وتأجيج الصراعات القومية او المذهبية وصولا الى ما وصل اليه العراق اليوم من تخبط سياسي وتخلف اقتصادي وشق الصف الوطني تمهيدا لما هو قادم من ايام قد يندم عليه الجميع.

وبالعودة إلى موضوعنا فنزويلا… ما لذي يدور فيها من مؤامرات “ترامبية” وتداعيات سياسية قد تعصف بالنظام السياسي في فنزويلا نتيجة انهيار اقتصادياتها بسبب العقوبات الامريكية وبعض الدول في الاتحاد الاوربي المفروضة على النظام الشعبي للرئيس مادورو رغم مواردها النفطية الهائلة وثرواتها الطبيعية اللامحدودة!!!.

ونزيد من الشعر بيتا… من يحكم فنزويلا ومن هو صاحب القرار السياسي فيها، ومن له المصلحة في محاربة النهج الوطني للحاكم الفنزويلي مادورو، الذي بدأ حياته العملية كسائق حافلة وناشطاً نقابياً، ثم رئيساً لفنزويلا منذ فوزه بانتخابات أبريل/نيسان 2013 خلفاً لهوغو تشافيز. وأعيد انتخابه لولاية ثانية في 20 مايو/أيار 2018 لغاية اليوم؟؟؟.

لقد اتهم ترامب من خلال ولايته الأولى، مادورو ومسؤولين فنزويليين رفيعي المستوى بمجموعة من الجرائم، بما في ذلك الإرهاب المرتبط بالاتجار بالمخدرات والفساد المالي والسياسي وقمع المعارضة بأساليب لا إنسانية. هذا وقد ضاعف ترامب في ولايته الثانية المكافأة المرصودة مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، لتصل إلى 50 مليون دولار، متهما إياه بأنه “أحد أكبر تجار المخدرات في العالم”. هذا وقد وصف وزير الخارجية الفنزويلي إيفان جيل المكافأة الجديدة بأنها “مُثيرة للشفقة” وأنها “دعاية سياسية”. كما ارسل ترامب ثلاث سفن حربية قبالة فنزويلا لترهيب وترويع مادورو الذي تحدى الولايات المتحدة إن كانت قادرة على القضاء عليه قائلا: “انا هنا.. تعال لاعتقالي إن كنت قادراً”.

لم تكتفي الولايات المتحدة الامريكية بالتهم اعلاه بل إدعت بان مادورور وبالتعاون مع جماعة المتمردين الكولومبية فارك، وترين دي أراغوا، وهي عصابة فنزويلية صنفتها إدارة ترامب منظمة إرهابية، وكارتل سينالوا، وهي شبكة إجرامية ذات نفوذ، مقرها في المكسيك بحجة استخدام الكوكايين كسلاح لإغراق الولايات المتحد. هذا وقد تمكن مادورو من الصمود في وجه كل الاجراءات الامريكية للحفاظ على قبضته رغم عداء ترامب له وعقوبات الاتحاد الاوربي المفروضة على حكومته.

تمر فنزويلا اليوم بازمات سياسية واقتصادية مرعبة بسبب الضغط الامريكي الداعم لزعيم المعارضة “خوان غوايدو” باعتباره رئيس لفنزويلا لتصبح وكرا للمعارضة اليمينية مقابل الدعم الروسي لـ “مادورو اليساري” من خلال ارسال طائرات “تي يو 169” المعروفة باسم البجعة البيضاء إلى فنزويلا تهديدا للسفن الحربية الامريكية الراسية مقابل السواحل الفنزويلية. وبناءاً على ما ذكرناه يمكن تفكيك المشهد السياسي في فنزويلا، التي تقلُّ مساحتها قليلًا عن المليون كيلومتر مربع، ويزيد عدد سكانها قليلًا عن الثلاثين مليون نسمة الى:

  • يركز اليسار الحاكم على الخطابة الشعبوية بعيدا عن قضايا التنمية الاقتصادية.. واليمين المعارض يتحالف مع الخارج لإسقاط اليسار الحاكم.
  • الاقتصاد في تراجع والتضخم يرتفع.. الأسعار تشتعل والفقراء يعانون.. والمعارضة في طريقها الى الفوز في الانتخابات القادمة.
  • اليسار يسيطر على الحكومة واليمين يسيطر على البرلمان. اليسار يستمر في الخطابة وواشنطن تواصل دعم اليمين.. اليسار لا يقدِّر أن الأمر خطير وأنه لا يمكن أن تستمر الأمور هكذا.
  • انقسامات مدنية وعسكرية.. ومزيد من الجوع والخوف.. وشبح حرب أهلية.
  • غزو أمريكي لفنزويلا وتأييد المعارضة والملايين من أنصارها للغزو.. والمطالبة ببقاء دائم للقوات الأمريكية لضمان وقف الدماء، وعدم عودة الوضع السابق.

ان متابعة ما يدور في فنزويلا جدير بالاهتمام لما له من مقاربة مع الشأن السياسي العراقي، ويمكن الاخذ بنظر الاعتبار التداعيات السياسية المتوقعة في فنزويلا توخيا للقادم من التآمر الامريكي الصهيوني ضد النظام السياسي في العراق. فكشف المؤامرات وحراك القوى الظلامية ومعرفة المصير الصعب والسيناريوهات السيئة.. لا يعني بالضرورة القدرة على إيقافها. وهنا المعرفة وحدها لا تكفي. وهذا تغيّر كبير في السياسة الدولية.. حيث كان التاريخ السياسي للعالم ممتلئًا بالمؤامرات السريّة، والتي لو تمَّ اكتشافها لتغيّر التاريخ تمامًا. أمّا الآن.. فإن معظم السيناريوهات علنيّة.. ومعرفة أبعاد المؤامرات لا يغيّر كثيرًا في مجريات الأمور.. حيث تبدو الدول ذات الانقسام الفكري الحادّ.. وكأنها تُساق إلى قدرٍ محتوم، وليس بإمكان أحد وقف انحدار العربة من سطح الجبل. وأن إهانة قيم العدالة والكرامة تحت أقدام الشعارات الزائفة سيعمق الضجيج الايدلوجي الذي يمثله الحاكم مقابل بقاء الوطن كشعار لقوى المعارضة الوطنية.

مقاربة أخرى فنزويلية متعلقة بالشأن العراقي هو الرؤى الاقتصادية. ففنزويلا هي  واحدة من أغنى دول العالم، أكبر احتياطي من النفط في العالم، وأكبر احتياطي من الذهب في العالم، ورابع أكبر احتياطي من الغاز في العالم.. واحتياطات ضخمة من الماس والألومنيوم والحديد.. فضلًا عن كميات هائلة من المياه العذبة. إنّ فشل فنزويلا (كما في العراق) يحتاج إلى معجزة. لقد وصل التضخم في فنزويلا الثرية إلى اكثر من 100% وبدأ انهيار العملة الفنزويلية أكثر فأكثر (كما في العراق). للاسف لاتوجد احصائيات اقتصادية دقيقة في العراق.

في السياق ذاته،نجد أن آلية العقوبات الأمريكية تذهب دومًا إلى خنق السلطة بخنق الاقتصاد. وفي حالة فنزويلا، منعت أمريكا أرباح النفط الفنزويلية من الوصول للحكومة، كما أنها تنوي منع استيراد النفط الفنزويلي.. لإنهاك قوة السلطة. لكن الواقع أن الشعب هو الذي يعاني الذبول والجفاف.. هو الذي يعاني الجوع والمرض. والعراق ليس ببعيد عن تداعيات العقوبات. فالواردات النفطية تحت رحمة الامريكان، وكذلك تطوير القدرات الدفاعية العسكرية رهن الموافقة الامريكية ووو.

وكما ذهبت اليه أمل مختارخبيرة في شؤون التطرف والعنف: “إن الدروس من أزمة فنزويلا لا تنتهي.. كيف تتحوّل “الثروة” إلى “لعنة”… بدلًا من أن تنتشل حقول الغاز الناس من الفقر يغرق الملايين في آبار النفط. فالثروة الحقيقية تكمن في “العقل” وليس “الحقل”.. العقل السياسي هو الثروة الكبرى.. وكل ثروات الأرض من دون عقل سياسي هي والعدم سواء. وعلى الإعلام العراقي أن يدرك كم هو فاعل من عدمه وكم هو ببعيد او قريب من مصلحة الوطن !!!