البحر الاحمر وما ادراك مافي هذا البحر مما يجري فيه من تقاطعات سياسية وصراع المصالح. فبدلا أن يكون مصدرا للتعاون الدولي في نقل ومرور وتبادل السلع والخدمات، او مصدرا للثروات الطبيعية والغذائية، يتحول اليوم الى بؤرة للفوضى الدولية والاقتتال، وخسارة في الحياة المادية والبشرية. والاكثر دهشةَ هو تكالب الدول الاكثر بعداً عن هذا البحر بمئات الكيلومترات بهدف الهيمنة والاستحواذ الجيوسياسي لمنطقة طالما كانت ولاتزال محط اهتمام سياسي واقتصادي على حساب المصالح الحيوية للشعوب المحيطة بهذا البحر.
وبالرغم من الاطماع الصهيونية واهدافها الجيوسياسية في الهيمنة على البحر، انبرت وتنبري الدول الاستعمارية في مشاطرة ومشاركة الصهاينة في تحقيق اهدافها الامبرالية في الحصار والاستحواذ وخلق عوامل الفتنة والتشتت داخل القوى الوطنية لشعوب البحر الاحمر التي تطمح لبناء قاعدة شعبية لتحقيق طموحاتها في الاستقلال السياسي والاقتصادي وسيادتها الوطنية على اراضيها القومية.
في ذات السياق. قامت بعض دول الاتحاد الاوربي ( السويد، فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، اليونان وهولندا ) مؤخرا بتشكيل قوة عسكرية – خطة أسبيدس – هدفها المعلن حماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر. علما أن هذا التحرك الاوربي لم يأتي اعتباطاً، بل جاء في أعقاب تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية لتحالف “حارس الازدهار” في البحر الأحمرنهاية عام 2023.
أن حالة “العسكرة” هذه وبالتزامن مع التفاعلات التي تشهدها المنطقة وتحديدا بعد التصدي ” الحوثي ” للعدوان الصهيوني على غزة، تدعونا الى الوقوف على اهم الدلالات الرئيسية لمثل الخطوة وتأثيراتها الاستراتجية على مجريات التصعيد العسكري في حوض البحر الاحمر.
بدءا علينا التذكير بان عملية الاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر “أسبيدس” بدأت عملياً يوم 19 مارس الجاري، ويعود مسمى العملية إلى كلمة يونانية قديمة تعني الدرع أو الحماية. ووفقاً للاتحاد الأوروبي، ستبلغ ميزانية مهمة “أسبيديس” الملايين من اليورو توفرها خزانة الاتحاد الأوروبي. وفي مرحلتها المقبلة سيتم إعداد خطة العمليات وقواعد الاشتباك وتشكيل القوة البحرية والجوية التي ستتولى الدوريات في أجواء مياه البحر الأحمر، لتكون قوة جديدة تتحرك على طول خطوط الاتصال البحرية الرئيسية في مضيق باب المندب ومضيق هرمز، وكذلك المياه الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وخليج عمان والخليج.
هذا وللعلم أن مقر العملية هو في لاريسا باليونان.
الجدير ذكره أيضا، هو من الاهداف الرئسية لقوة ” أسبيدس ” الأوربية هو مساعدة الصهاينة والامريكان في احتواءالتصعيد ” الحوثي ” ومواجهة المخاطر التي تشكل تهديداً استراتيجياً خصوصاً في ضوء تأثيرات الحراك الحوثي على حركة الملاحة البحرية والتجارية في هذا الممر البحري الاستراتيجي، الذي يمر به نحو 40 % من التجارة العالمية البحرية، بما في ذلك 8% من تجارة الحبوب العالمية، 25% من تجارة النفط البحري، 10% من تجارة الغاز الطبيعي المنقول بحراً في العالم. فالهدف هنا لا يعني أن تصعيد الحوثيين يفرض تداعيات سلبية على مستوى سلاسل الإمداد، ويدفع باتجاه التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، بل سيقوض أولا: حراك صنيعتهم – إسرائيل – من التحرك السياسي والعسكري في البحر الاحمر، وثانيا الضغط الاقتصادي والسياسي على الشقيقة مصر في البحرذاته.
وكما يدعي الغرب، أن الأمن الأوروبي مرتبط باستقرار الممرات الملاحية حيث شكلت الحرب الروسية-الأوكرانية، التي بدأت في 24 فبراير 2022 ، العديد من التداعيات المباشرة على منظومة الأمن الشامل للاتحاد الأوروبي ومصالحه الاستراتيجية، وكان على رأس هذه التداعيات تبني الدول الأوروبية لمقاربة تقوم على ضرورة تقليل الاعتماد على النفط والغاز الروسيين. ومن هنا أصبح الأمن الطاقوي الأوروبي مرتبطاً بشكل كبير باستقرار الممرات المائية الحيوية، وفي القلب منها البحر الأحمر، ما يعني أن النشاط العسكري المتزايد للحوثيين يمثل تهديداً للمقاربة الأوروبية لتأمين إمداداتها الطاقوية. الامر الذي استوجب وجود مثل هذه القوة.
كذلك نجد أن الدول الاوربية والولايات المتحدة الامريكية ترى أن تأمين الملاحة في منطقة البحر الاحمر بات يشكل أمرا حيويا لتحقيق اهدافها السياسية والعسكرية، وذلك في أن التهديدات الحوثية في البحر الأحمر والإيرانية في الخليج العربي ( إغلاق مضيق هرمز ) يفرض تداعيات سلبية على حرية الملاحة الدولية. وأن المنطقة التي تمتد على مساحة كبيرة من مضيق هرمز إلى مدار الجدي ومن البحر الأحمر نحو وسط المحيط الهندي، يتطلب تكثيف الحراك البحري الأوروبي والأمريكي من خلال آلية تسمى ” الوجود البحري المنسق “، لمواجهة التهديات، حوثية كانت ام ايرانية، على المدى القريب او المتوسط وحتى البعيد.
خلاصة القول: لم يتم تشكيل قوة ” اسبيدس ” الاوربية اعتباطا، كما ذكرنا، بل امتدادا طبيعيا للاهداف المشتركة الخبيثة لكل من الاتحاد الاوربي والولايات الامريكية. فقد سبق وأن التوجه الاوربي لتعزيز الامن البحري في العالم (حفاظاً على مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية ) قد بدء حضوره في اطلاق عملية ” اتلانتا ” عام 2008 في منطقة القرن الافريقي، وهي، كما تدعي ، بعثة بحرية تضطلع بمكافحة القرصنة وعمليات تهريب المخدرات والأسلحة، وحماية شحنات برنامج الغذاء العالمي وغيرها من عمليات الشحن المعرضة للخطر. كذلك في منطقة الخليج العربي، حيث شاركت 9 دول أوروبية هى فرنسا وبلجيكا والدنمارك وألمانيا واليونان وإيطاليا وهولندا والنرويج والبرتغال في إطلاق بعثة مراقبة بحرية “أجينور” في عام 2020 بهدف ضمان العبور الآمن في مضيق هرمز ومقرها الرئيسي في القاعدة البحرية الفرنسية في أبوظبي، لتُضاف إليها حالياً القوة الأوربية “أسبيدس”.
ورسالتنا، في السياق المذكور اعلاه، موجهة للجامعة العربية ” وهي في سبات دائم “… هل بمقدور الدول العربية، ولو رمزياً، تشكيل فرق بحرية، جوية او برية والوقوف بوجه الحراك التآمري الغربي للحفاظ على سيادة وثروات شعوبها ذات الدين الواحد واللغة الواحدة والمصير الواحد، أم أنها حاضرة و” حاضرة فقط “، لتعميق الخلافات المذهبية والطائفية وتشتيت الصفوف وقتال دائم بين الاشقاء ؟؟؟.

