“للكون نواميس لا تُخطئ”
حقيقةٌ لا أراكم تجهلونها، لكنكم قومٌ بكم ضعف، و قد تغُّرّكم القوة حيناً، ويغلب عليكم الظن في أحيان؛ أنّ القوة التي استطاعت تفتيت الذرة لقادرة على خرق تلك النواميس و التأثير عليها بالتبديل والتغيير أو بالتعديل!.
الله سبحانه وتعالى ما أن خلق الكون حتى وضع له الميزان، لأن الميزان هو ضمان ديمومة بقاء هذا الكون.
ولقد أمرنا الله منذ الأزل أنْ نُقِيمَ العدل ونَزِن بالقسط وحذرنا ألا نُخسِر الميزان.
حسناً ماذا إذا اصطدم قطارُ سكة حديدٍ بعربةٍ يجرّها بغلٌ أو حمار؟!.
بالتأكيد و حسب نواميس رب العالمين في الكون فلن تتوقف لذلك حركة السكة الحديد، وسيواصل قطار الحياة المسير إلى أمام.
أتعلمون لِمَ أقرّت قوانين العالم المعاصر تحريم إجراءات الإبادة الجماعية ومنها التهجير القسري؟ ـ لأن في ذلك التحريم اتِّساقاً مع قوانين الكون ونواميسه الضامنة لديمومة الحياة فيه؟ ومن ثم يصبح من مصلحة كل الناس العمل على التماهي مع تلك القوانين وعدم مصادمتها، بل والذهاب إلى مصادمة مَن يُصادمها؟
هنا؛ قد يسألني سائل: ألا يمكن لأصحاب السلطان في الأرض أن يَفرضوا قوانين أخرى ويعملوا على تطبيقها بالقوة، كما فعل القطار بالعربة التي يجرها حمار؟
و الإجابة: أن الله عندما خلق الكون كان يعلم حتماً بمثل سؤال السائل هذا، ولم يجعل القوة المادية الكمية هي الحاكمة، بل جعل معها كائنات متناهية في الصغر – ربما ـ مجهرية لا يمكننا إدراكها بحواسنا، جعلها مهيمنة حتى على تلك القوة المادية، ولا أحد في عالمنا الآن يشك في أن التيار الكهربائي الذي لا يُرى بالعين هو أقوى من كل تروس الماكينة التي يديرها.
والذين درسوا الروافع في الميكانيكا يعلمون تماماً أن رُمّانة الميزان مهما قل حجمها يمكنها في أحوال أنْ تُعادل الميزان مهما كان حجم الثقل على الكفة المقابلة من الميزان.
آن لنا عند هذا الحدّ أنْ نقوم بتأويل الأمثلة التي طرحناها – وللحق المثل الأعلى – فالقطار في مثالنا البسيط المطروح هو يمثل نواميس الكون، والعربة هي كل مظاهر القوة على الأرض، والحمار هو الإنسان الذي يظن في نفسه القدرة على مُصادمة نواميس الكون التي هي قوانين الخالق فيما خلق – مع فارق النِسَب بالطبع – أمّا مثالنا المطروح عن الروافع في الميكانيكا والفيزياء: فإن رُمّانة ميزان الحق بأحوالٍ وبأوضاعٍ تتسق مع قوانين الله في كونه – يمكنها أن تُعادل أكبر قوة مادية على الأرض مهما عظُمت، فالعظمة لله والقوة المادية الكمية ليست إلا لبغلٍ أو حمارٍ يجرّ عربة!.
وعندما نطبق ذلك على واقعنا الحالي، فإن أهل الحق في الأرض هم رُمّانة الميزان مهما كان حجمهم وكتلتهم التي ربما لا تدركها حواس رموز القوة الغاشمة حتى وصفوهم في كثير من نجواهم بالأشباح!.
ولا يجب ان يغيب عن ذاكرتنا هنا مثال أيونات الكهرباء و سيطرتها على تروس الماكينة!.
تعالوا نطبق كل ذلك حقيقياً على أرض الواقع في غزة: ونبدأ بالتفكُّر في أقسى ما يمكن أن يفعله سلاطين القوة والجبروت على الأرض؟
أليس هو جُرم التهجير القسري والإبادة الجماعية من أجل إفراغ غزة من أهلها؟
حسناً؛ أليس المقصود بالترهيب بالقوة والقتل لأهل الشمال لإجبارهم على النزوح إلى الجنوب هو مواصلة الضغط على أهل غزة لتكون الخطوة التالية دفعهم إلى خارج حدود الخريطة الفلسطينية ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع السلطات المصرية على حدود الخريطة مع سيناء؟
حسناً، هل تعلمون أن دوافع السلطات المصرية في قبول فكرة التهجير هي نفسها دوافعهم في رفضها؟!
إنّ دافعها الأساسي وخطها السياسي الرئيس هو محاولة عدم الاصطدام بالكيان الإسرائيلي والقوى التي من خلفه وعلى رأسهم أمريكا. والالتزام بمقررات معاهدة كامب ديفيد للسلام بين الطرفين.
وسلطات اتخاذ القرار في مصر طوال الوقت هي بين نارين؟
نار إغضاب الكيان ومن خلفه امريكا برفض قرار التهجير الذي سيضعها في حالة استنفار قصوى وتعبئة للحرب القريبة المحتملة نظرياً، وبين نار قبول فكرة التهجير الذي يؤجل المواجهة مع ذات الكيان ومعه حليفته الكبرى، ولكن المواجهة عندها ستكون حتمية هذه المرة وليست محتملة.
إن القبول بقرار التهجير سيرضي الكيان وأمريكا مؤقتاً ولكنه ينطوي على مواجهة حتمية مؤجلة لبعض الوقت.
وللتوضيح فإنه في قبول السلطات المصرية بقرار التهجير، هناك احتمالان للمكان الذي يمكن أن يستقبل الفلسطينيين:
الأول: أن تقام لهم مدينة على حدود سيناء مع غزة المفرغة من أهلها.
الثاني ان يتم توزيع مليوني غزاوي على المحافظات المصرية بمعدل مئتي ألف فلسطيني في كل محافظة.
بخصوص الاحتمال الأول:
فإن الفلسطينيين مهما طال بهم الزمن سيظلون ينظرون صوب الشرق وقد حفروا خارطة بلادهم طوال الوقت في ذاكرتهم، ولن يَكفُّوا عن أعمال المقاومة وسيولد من رحم طوفان الأقصى طوفانات عديدة – مما يضطر الكيان الإسرائيلي للرد عليهم داخل حدود سيناء المصرية، وهنا تكون المواجهة بين مصر واسرائيل قد صارت حتمية هذه المرة وليست محتملة.
وبخصوص الاحتمال الثاني:
فإن توزيع مليوني فلسطيني قسراً على المحافظات المصرية، سيكون بمثابة شرر نار يهدّد الأمن القومي المصري بشكل يفوق في ضرره ضرر الحرب مع اسرائيل.
ومن هنا تُصبح السلطات المصرية أمام بديهية من بديهيات الحرب التي تقول أن خوض معركة يكون ميدانها في أرض العدو أفضل تماماً من الانتظار حتى ينقل العدو ميدان الحرب إلى أرضك.
وبالتالي فإن قرار عدم قبول تهجير أهل غزة وفلسطين إلى سيناء المصرية ليس شأناً أمنياً فلسطينياً بحتاً، بل هو قرار أمني مصري على قدرٍ من الخطورة؛ ولا يمكن تجاهل ذلك.
لذا فمهما كانت النوايا وما تبعها من حِيَلٍ وتكتيكات فإن قوانين الله في كونه منتصرة رُغماً حتى عن كل القوى التي ذكرنا، وتلك التي لمّا نذكرها.
اديب وكاتب رأي مصري

