المثقف بين المصباح والسجن “قراءة في المأزق الكوردي”- (فرست عبدالرحمن مصطفى)

المثقف الكوردي، في كل مراحله التاريخية، كان أشبه بمصباح يتحدّى العتمة. لكن هذا المصباح لم يُكتب له أن يضيء طويلاً دون أن تحيطه قيود، مرةً في شكل سجون صلبة بنتها السلطات المركزية في بغداد وأنقرة وطهران ودمشق، ومرةً أخرى في شكل حصارٍ ناعم يفرضه الداخل الكوردي نفسه، حيث تُستبدل الزنازين بجدران الولاءات الحزبية الضيقة.

 

في الماضي، كان المثقف الكوردي مطارداً لأنه ينطق باسم شعب محروم من الاعتراف. كان يُسجن لأنه يكتب بالكوردية، أو لأنه يصرّ على ذكر كلمة “كوردستان”. أما اليوم، في إقليم كوردستان العراق، ورغم المكاسب التي تحققت بعد 1991 و2003، فإن المثقف يواجه مأزقاً جديداً لا يقل خطورة “مأزق الحرية المؤطرة”. الحرية موجودة على الورق، لكن سقفها يُحدد بمدى قربك أو بعدك عن السلطة الحزبية.

 

فالأحزاب التي قادت الكفاح المسلح ثم حكمت الإقليم، تعاملت مع المثقف ليس باعتباره ضميراً ناقداً أو سلطة معرفية مستقلة، بل باعتباره أداة يمكن تسخيرها لتلميع صورتها أو لتثبيت شرعيتها. من اختار الانخراط في هذا الدور، حصل على الامتيازات والفرص. ومن رفض، وفضّل أن يكون حراً، دفع ثمنه العزلة والتهميش، وربما التخوين.

 

هنا يصبح السجن معنوياً أكثر من كونه مادياً، المثقف المستقل يُقصى من الإعلام، يُحاصر اقتصادياً، وتُغلق أمامه أبواب المؤسسات الثقافية التي باتت رهينة الأحزاب. حتى الجامعات التي كان يُفترض أن تكون منابر للفكر الحر، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات نفوذ سياسي.

 

إنّ مأزق المثقف الكوردي في اقليم كوردستان العراق اليوم ليس في غياب حرية التعبير تماماً، بل في تحويل الحرية إلى مساحة مشروطة، مسموح لك أن تكتب وتتكلم، ما دمت لا تقترب من خطوط النفوذ السياسي والاقتصادي. لكن المثقف الحقيقي لا يقبل أن يكون شاهد زور، ولا أن يحصر دوره في التزيين.

 

لذلك، فإن معركة المثقف الكوردي في كوردستان لم تعد مع سلطة غريبة تنكر هويته، بل مع سلطة قريبة تحاول أن تحتكر صوته. وهنا تكمن الخطورة أن يتحول المثقف من مصباح يضيء للجميع، إلى مصابيح صغيرة توزَّع على مقرات الأحزاب، فتفقد الثقافة معناها، ويخسر المجتمع ضميره الحي.

 

ومع ذلك، تبقى هناك أصوات حرة تصرّ على أن الكلمة لا تُشترى، وأن الوعي لا يُختزل في حزب أو زعيم. هؤلاء، وإن كانوا أقلية، هم الضمان الحقيقي لأن يظل المصباح الكوردي مشتعلاً، مهما ضاقت الجدران.