عگد الأكراد قلب فيلي نابض بالتآخي والذكريات- عباس عبد شاهين

في قلب العاصمة بغداد وتحديداً شارع الكفاح يقع حي يُعرف بـ “عگد الأكراد” وهو حي تاريخي يعكس عمق الذاكرة الكوردية الفيلية في العراق وبمجرد أن تخطو داخل أزقته الضيقة ستشعر وكأنك تجوب قلب بغداد القديمة حيث تتسرب إليك الذكريات والملاحم البطولية والمواقف الوطنية الصعبة التي عاشها سكان هذا الحي على مدى عقود طويلة حتى الذين غادروا الحي أو هاجروا بقيت قلوبهم معلقة بتلك الأزقة والجدران التي تحمل قصصهم ومآسيهم.

في البداية كانت المنطقة زراعية تتخللها بساتين طويلة وسكنها عائلتان من الكورد الفيليين الذين أتى بهم حب التجارة والاستقرار لاحقاً وقد شهدت المنطقة تزايداً في التجمعات السكنية ليصبح أحد أقدم الأحياء الكوردية في بغداد واغلب سكانه من الكورد الفيليين الذين تعرضوا للتهجير القسري خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي على يد أزلام النظام البعث المقبور، وتشير المصادر التاريخية إلى أن الحي شهد تأسيس حسينية الكورد الفيليين عام 1942 على يد الحاج أحمد الأحمدي  وهو ما يعكس الدور الاجتماعي والديني الذي لعبه الحي منذ نشأته فالحسينية لم تكن مجرد مكان للعبادة بل كانت ملتقى إجتماعياً وثقافياً يعزز التماسك الروحي بين سكان المنطقة ويساهم في الحفاظ على التراث والطقوس والتقاليد الكوردية الفيلية.

عگد الأكراد هو أكثر من مجرد حي سكني فهو جزء من الذاكرة الفيلية التي عانت كثيراً من القمع والإعدامات والتهجير القسري على يد النظام البائد فقد بدأت المآسي مع الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 الذي اغتال ثورة الزعيم عبد الكريم قاسم ودشن فترة مظلمة من حكم البعث المجرم حيث نفذت الإعدامات الجماعية والاغتيالات والتعذيب وتغييب الشباب وأسفرت عن تهجير السكان وحرمانهم من جنسياتهم ورغم تلك المآسي والظلم والقهر إلا أنهم بقوا محافظين على هويتهم وأصالتهم وصمدوا أمام كل محاولات الطمس والاضطهاد، وتتميز المنطقة بكونها قلباً نابضاً بروح التآخي بين جميع مكوناتها حيث يعيش سكانها من الكورد الفيليين إلى جانب العرب وبقية المكونات مؤكدين على قيم التضامن والتعايش مجتمعين في المناسبات الاجتماعية والدينية سواء كانت أفراحاً أو أحزاناً لتجسد هذه الوحدة المجتمعية والروح الإنسانية مثالاً للتآخي في العاصمة على الرغم من التحديات والمحن التي مر بها سكانه، ورغم أهميته التاريخية والاجتماعية تعاني المنطقة من نقص في الخدمات الأساسية مما يتطلب جهوداً متواصلة من المسؤولين المحليين والمعنيين لتحسين الواقع الخدمي فهناك حاجة إلى تذليل العقبات الإدارية والفنية التي تعيق تنفيذ المشاريع والعمل على تسريع الإجراءات لضمان توفير البنية التحتية الملائمة لسكان هذا الحي الحيوي، في الختام ان عگد الأكراد ليس مجرد حي على خارطة بغداد بل شاهداً على ذاكرة مدينة وتاريخ شعب هو رمز للصمود والتآخي ومكان احتضن الكورد الفيليين بكل ما حملوه من أصالة وإرث إنساني ويظل هذا الحي منارة للأجيال القادمة يروي لهم كيف واجه سكانه المآسي بصلابة وكيف حافظوا على هويتهم الفيلية في أصعب الظروف ليبقى جزءاً أصيلاً من روح بغداد وتاريخها الذي يستحق أن يُحكى ويُحفظ.