رصد مركز صنع السياسات للدراسة الدولية والاستراتيجية، في دراسة له الاحتجاجات الأخيرة التي شدتها محافظة البصرة سلطت الضوء على تداعيات التظاهرات والدور الايراني فيها، إضافة إلى خارطة نفوذ الأحزاب والقوى السياسية في البصرة.
وأشارت الدراسة التي نشرت أول أمس الأربعاء، 18 تموز 2018، إلى ان الاحتجاجات هذا العام تختلف في كونها تمثل انفجار شعبي عارم قد يهدد بشكل أو بآخر النظام السياسي الذي يزداد هشاشة، حيث زادت نسبة البطالة في العراق لتتجاوز الـ 35% من نسبة السكان، بالتزامن مع أزمة مالية حادة حصلت نتيجة الفساد في العقود الحكومية وانخفاض أسعار النفط، وانتهاء الحرب على داعش، مع وجود مشاكل اجتماعية نتيجة قتلى الحرب، والتشكيلات العسكرية للعائدين منها كالحشد الشعبي.
وبينت أن العامل الثاني المختلف في هذه المظاهرات أنها بدت تأخذ منحى مختلف في الاحتجاج بتوجهها نحو ضرب المصالح الاقتصادية الحيوية للدولة واخذها طابع الاضطرابات بما بدى يخلق تخوفا كبيرا من احتمالية انهيار الأوضاع وفقدان السيطرة عليها.
كما ان المسبب الثالث لأزمة البصرة هو البيئة الإقليمية والمحلية التي تجري فيها، إذ إنها تأتي وسط تأزم الأوضاع السياسية في العراق بعد الفساد الكبير الذي رافق العملية الانتخابية التي لم تظهر نتائجها النهائية حتى الساعة، بالإضافة الى عودة هجمات داعش في المناطق الصحراوية وأطراف المدن، لا سيما طريق كركوك – بغداد.
والسبب المباشر وراء الاحتجاجت يعود لنفوذ الأحزاب في البصرة والتي تنظر الى موارد المحافظة كمصادر أساسية للحصول على الثروة والقوة في إطار صراعها على السلطة في العراق، وفي سبيل ذلك فهي تتقاسم وفق محاصصة أنتجتها توازن القوى الموجود هناك، السيطرة على ثروات البصرة حيث يسيطر المجلس الأعلى وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، على حقول الرميلة الشمالية، والشركات العراقية الخدمية للعقود الفرعية بضمنها المجهزة لشركات النفط الاستثمارية الأجنبية وميناء المعقل، وبالإضافة الى معبر سفوان الحدودي مع الكويت كذلك حصتها في منصب المحافظ، ووزيري النقل والنفط.
أما حزب الدعوة جناح “نوري المالكي”، فهو يسيطر على ميناء أم قصر بنسبة 60%، وحقول الرميلة الجنوبية والتي يهيمن عليها بمساعدة بيت البطاط، وحقول منطقة البرجسية، بالإضافة الى مطار البصرة الدولي ومعمل البتروكيمياويات وحقول الغاز في البرجسيّة، فيما يسيطر تحالف الفتح “منظمة بدر، وحركة عصائب أهل الحق” على حقول غرب القرنة، وميناء ابو فلوس (والذي يعد خارج سيطرة الدولة منذ العام 2014 ويستخدم للتهريب بدرجة أساسية)، وسكك الحديد وكلية باب الزبير، بالإضافة لشركات السيطرة النوعية في معبر الشلامجة الحدودي مع إيران.
بينما يسيطر الصدريون على المدينة الرياضية بضمنها ملعب البصرة الدولي، ومواقع وزارة الكهرباء، ومستشفى الجمهوري ومعبر الشلامجة الحدودي مع إيران، وحزب الفضيل، يسيطرعلى معامل شمال البصرة الحكومية، وعلى معمل الأسمدة في قضاء أبي الخصيب ويمتلكون نفوذاً امنياً وسياسياً فاعلاً في البصرة، كما تتواجد تشكيلات الحساوية، وهي تشكيلات سياسية وعسكرية في مركز مدينة البصرة وعلى مواقع وزارة الري والتجارة فيها.
وبحسب مراقبين فان هذه الحالة تؤشر الى تراجع كبير لدور الدولة وانعدام سيطرتها على موارد البلد، بل وحتى القيام بواجبها كتوفير الأمن ومنع الجريمة والقضاء على الفساد.
وبشأن دور العشائر في الاحتجاجات، أكدت الدراسة أن العشائر تمثل أبرز المنظومات الاجتماعية المتماسكة في الجنوب، وتمتلك قوة وثقل في أي حسابات تحاول بسط النفوذ في الجنوب العراقي، إلا أن السلطة وقواها وأحزابها استطاعت أن تخلق تحالف بين السلطة والعشيرة والنفوذ في توازن يخلق استقراراً يضمن ديمومة الوضع الراهن.
وأضافت أن الاضطرابات والاحتجاجات في البصرة أُطلقت في ثلاث مناطق رئيسية هي أبي الخصيب ومركز البصرة ولحقتها البرجسية، وكانت العشائر ذات فاعلية في انطلاق تلك الاحتجاجات ففي أبي الخصيب يضطلع بيت حماد وبيت العراك وبيت القرامشة بدور رئيسي في الاحتجاجات هناك، أما في المدينة وحول حقول غرب القرنة فتقود المظاهرات بيوت الراشد والسعد، أما مركز البصرة ففيها مجموعات بيوتات ويشارك أيضا بيت البطاط في المظاهرات التي امتدت إلى منطقة البرجسية.
وفيما يتعلق بالدور الإيراني في الاحتجاجات الأخيرة بمحافظة البصرة، أوضحت الدراسة أن إيران تسعى لاستخدام أوراقها في الساحات التي تبسط فيها نفوذها كأحد أدوات إدارة الصراع مع الولايات المتحدة، حيث تشهد إيران أزمة نتيجة تصاعد العقوبات الأمريكية إلى حد غير مسبوق وصلت إلى محاولات تصفير صادرات النفط الإيرانية بما يشبه الحرب الاقتصادية عليها.
كما ان ايران إحدى الأسباب المباشرة للاحتجاجات بعد قطعها التيار الكهرباء عن الجنوب وارتفاع ملوحة شط العرب في البصرة، إذ انها أقدمت على وقف تزويد البصرة بالكهرباء التي تمثّل أكثر من 60 % من الطاقة الكهربائية بحجة أن الجانب العراقي لم يلتزم بدفع المستحقات التي على عاتقه، كما أنها تتحكم إلى حد كبير بدرجة الملوحة في مياه البصرة، حيث تمتلك إيران 7 منافذ على شط العرب لتصريف مياه البزل مركزة الملوحة -المياه المستخدمة لاستصلاح الأراضي المالحة وتحمل كميات كبيرة من الاملاح.
وأشارت الدراسة إلى ان الدلائل تبين أن إيران أبرز المستفيدين من الأزمة التي اجتاحت الجنوب، على الرغم من المخاطر التي قد تتعرض لها إذا ما استمرت دون احتواء، إلا انها تبدو الدولة الأكثر قدرة على توظيف مخرجات الأزمة لصالحها وبدرجة كبيرة.
وبشأن تداعيات الأزمة الأخيرة فقد تركت الاضطرابات والاحتجاجات في جنوب العراق تداعيات متعددة الأبعاد تتباين من حيث قوتها بالنظر الى مدى استمرارية هذه الاضطرابات واحتوائها، عراقيا فإن هذه الاضطرابات قد تصيب هشاشة النظام السياسي المعرضة للعطب بمزيد من التفاقم، وإذا ما امتدت موجة الاحتجاج إلى مناطق أخرى لا سيما العاصمة بغداد فإن ذلك سيترك تداعيات خطيرة على الأمن والسياسة العراقية، وقد تؤدي إلى انفلات الأوضاع في البلاد على نحو لا يمكن احتواؤه.
وامنياً قد تترك تلك الاحداث أيضا تداعيات أمنية خطيرة لا سيما أنها تأتي في ظرف بدأ فيه تنظيم داعش بإعادة صفوفه في صحراء الجزيرة والعظيم، وبدأ بشن هجمات على القوات الأمنية في تلك المناطق، وقد يؤدي خلخلة الوضع السياسي في البلاد وسحب قطاعات من القوات المنتشرة لمسك الأرض في المناطق المستعادة، ستتحول إلى فرصة سانحة للتنظيم لإعادة زعزعة الوضع.
أما سياسيا فقد تدفع الاحتجاجات الأخيرة إلى تغير معادلات تشكيل الحكومة وتؤثر بشكل واضح على تحالفات تشكيلها وقد تدفع بعض الأطراف التنازل عن شروط تبدو غير ممكنة التنازل في سبيل تشكيل حكومة جديدة، بالإضافة إلى الإسراع بالمصادقة على نتائج الإنتخابات بكل ما ستحمله من مخالفات نتيجة عدم إمكانية تحمّل البلاد لأزمة ثانية.
واقتصاديا فإن احتمالية تضرر القطاع النفطي في العراق وتوقف الملاحة سيؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العراقي المتعثّر أصلا، والذي يعاني أزمة حادة منذ أربع سنوات ما قد يفاقم الأزمة على نحو أكبر، أما إقليميافان دولة الكويت تليها السعودية تبدوان الأكثر قربا من التأثر بالأزمة الدائرة هناك، إذ ان الاضطرابات والانفلات الأمني غير المسبوق بعد 2003 سيكون على رأس الخليج وعلى حدود كلا الدولتين، وإذا ما تصاعد الأمر وانفلتت الأمور فستكون السعودية التي تمتلك أكثر من 600 كم من الحدود الصحراوية المفتوحة مع العراق، والكويت المحاذية لمركز الاضطراب الأكثر تأثرا بها لا سيما من الناحية الأمنية والاقتصادية.
ر.إ
nrt

