(اللعب بجماجم من طين)- مراد سليمان علو

1

 لذكريات الطفولة شرايين تشبه شراييني، فبعضها مسدودة لا ينفع معها فص الثوم الصباحي، وبحاجة لتداخل جراحي حتى يجري نهرها الدامي بتلك الكركرة والصور الجميلة التي تشبه فلما من أفلام شامي كابور.

وبعضها شبه مسدودة تحتاج دفعة قوّية بقوّة باش حمّال من (آل حاول الموسكوي الحكرشي القيراني) لتحضر إلى الذاكرة وهي تعاني الكثير من الهزّ والرجف فيولد لديك الشك مع الألم بكونك معجبا ومناصرا لعدنان القيسي في نزالاته الوهمية وسبارتكوس في ثورته المنسية.

وبعض هذه الذكريات كشريان يعاني من توسع مليء بالسكاكر والبالونات الملونة والطائرات الورقية وصوت جريان الدم فيه شبيه بموسيقى بائع الغاز في مخيمات الشنكاليين فتضطر لسماعها ورؤيتها والتعامل معها في وقت لا تحتاجها، وبما أنها مليئة بتفاصيل تعشقها فتعمل لاإراديا على تثقيف حالة تدفق الذكرى وتبدأ تألف فوضى شرايينك وكأنك تشاهد فلما ليوسف شاهين.

وبعيدا عن صراع الشرايين لإحضار الأفلام إلى الذاكرة، فللطفولة أنوار شبيهة بنور القمر وعجين من طين أبيض مأخوذ من قلب السكينية لبناء كوخ تحلم على سطحه في ليالي الصيف ببنت الجيران، وتقسم بصاحب الأماني (شيبلقاسم) لو عدت من الجبهة سالما في أجازتك الدورية هذه المرة ستنهبها نهبا إن لم يخطبوها لك وحينها ستخرج لسانك ساخرا من صوفيا لورين وستمزق صورها التي تحتفظ بها سرّا.

ولكن، إن حدث وسمعت بأن خمسين شابة تشبهن إلى حد بعيد ابنة الجيران قطعت رقابهن، ستحضن شرايينك جميعا، وبهدوء ستخرج دماءها من عينيك الحزينتين.

2

أن تكون من (سيباى) إحدى أتعس قرى (شنكال) وتحاول الدخول إلى السريالية من شباك العباس ومن باب الشيخ عبد القادر الكيلاني بالتأكيد تحتاج حذاء جديدا من شركة باتا قرب الأورزدي باك في سوق سنجار التحتاني.

لا أزال أشعر بوخز شوارب أبي الكثة وهو يقبلني بحبّ عند رجوعي من المدرسة في أول يوم لي، وفي أول يوم دراسي سخروا من حذائي (الباتوي) الجديد وكانوا يسألوني إن كنت ذاهبا إلى عرس أميّ أم إلى المدرسة؟

جلبت معي من المدرسة بومة وضفدع أعور وغراب مرح وباز وقرد وفيل ولقلق ودب، جلبت زيرا ونارا ودينارا رقيقا وبوقا ونيرا والكثير من الرز والرمان، وجاء معي منير ونديم وقدوري وبدران ونوري ودينا ونازدار ورباب…

وأقلنا حظا هو البعير الشنكالي فالجميع يسألون: إلى متى يبقى البعير على التل؟

وجلبت قناعا هدية من (أبو خلدون) مغلفا بقراءته لأرتديه عندما أقابل بنت الجيران.

وأتفق الجميع بأنني أنا مراد مدير قدير.

3

كيف فاتني جمال السكينية ولم أتحسسه إلا مؤخرا في عيون أنجلينا جولي وهي تسرق قبورنا من مقبرة (كرى كور).

كيف لم استلذ بجمال مراجيحنا المنصوبة تحت أشجار بساتين شنكال إلا بعد مشاهدتي فلم حمّى رقصة ليلة السبت لجون ترافولتا.

تعود الذاكرة وتجلب معها مذاقات هاربة من بين أصابع الأمهات في مطبخ شيخادي في لالش، ونضوج لحم الثور في القدور بشارة خير باجتياز الجوع هذه السنة أيضا.

الجوع لا يصرخ بل يتعلق بالظهر ويحنيه إلى الأمام ليبدو عجوزا منحني الظهر. ولا أدري كيف علمني الشعر إن قصائد الحنين هي ثمن الغربة، ولو بقيت ألف عام لن يخبرك أحدهم ما هو ثمن تذكرة الرجوع للبيوت الطينية وقضاء ساعة فقط ساعة واحدة تحت شمس آب المحرقة للعب بالطين.

بناء العديد من البيوت للفلاحين، وبناء غرف رحبة للعمال لاستراحة الظهيرة بينما محمد حسين عبد الرحيم يمسك بيد أمل طه ويتنزهان في أبي نؤاس، وبناء بيوت عديدة لسكان هونك كونك وتخليصهم من أزمة السكن ومن شققهم الضيقة، لم لا فالرمل كثير والشاطئ كريم وأيادينا التي تشبه زهر الرمان لم تتعب بعد.

ومن قطعة الأرض الزائدة التي تشبه صورة قلب سنبني مقبرة جماعية وبوابتها مكونة من خمسين جمجمة شنكالية تجيد الغناء!

4

أعرف جيدا أن حبكِ غول يحثني على الإسراع في الصباح، وفي الليل يجثم على صدري، ولكنني أقف مصلوبا كراع أضاع نباح كلبه بين وادي شلو وكهف حصارى.

ولدنا قبل الطوفان وها نحن نعيش بعد الطوفان أيضا، فالنبي نوح عمنا.

فقد شاهدنا معا نحن وإياه كيف الذئاب تأكل الثريد، وكيف جزالة الشمس تذوب في العسل، وكيف تركنا بيوتنا الطينية في حوض جبل شنكال بسبب غزو الجيران.

وبيوتنا تسكنها الآن الأبوام وبنات آوى.

أنا ضعيف القلب فقلبي في جهة صدري اليمنى؛ لذا ابكي قبل أن يسألني فتى كان أسيرا عن حال شنكال.

قلوبنا مثل بيوتنا الطينية تسكنها الذكريات وصباحات الأعياد وبوسة يد البير (حجي خطو).

5

نسافر على جناح بومة في ليل القرى البهيم والبومة تدخل مزار الملك نورائيل وتتوب من العمل في الليل والطيران في الظلام وتواظب على الصوم والنوم فنعلّق في زوايا المعبد المنفرجة بانتظار أن يدق الجرس ويبدأ الفلم وكمقدمة مشوقة يتم ذبح خمسين سبية جميلة ويتدفق الدم ويتجمع ليتحول إلى نهر أحمر قاني يلف الكرة الأرضية كلها ويقتلع حقول الشقائق وتصطبغ أشجار التين بالدم وتهرب صخور الجبل من هول الفاجعة فتصطدم بالقرى وتحيلها ترابا ثم يغرق كلّ شيء، ونحضر مراكبنا للعودة فتقهقه البومة وتسخر منا قائلة:

وأين هي مجاديفكم؟

6

 لنبدأ من جديد.

أنتن تقصصن جدائلكن، وأنا أكتب الأشعار، و(حماد إسماعيل القيراني) يغنيها في حفلات زاخو دون أن يتلعثم ويقول (جما زاخو جما).

لنبدأ من جديد ونتوسل بالمدية ألا تعصى أمر ربّها وتمتنع عن حزّ رقبة إسماعيل، حتى لا يقوم أبراهيم الخليل بأطلاق النار عشوائيا.

لا أحد يصغي للطبيعة!

خمسون فتاة أيزيدية قطعت رؤوسهن، فتعطلت دوائر الله ووقف جميع الموظفين يقبلون تلك السكاكين.

7

إن عدنا ثانية ونزل المطر ليقبّلنا كالعادة وعانق التراب دموعنا لن نلعب بالطين إلا بحضور خمسين جمجمة.

لن نتلو دعائنا إلا بعد ذكر الأسماء الخمسون لمردوخ.

هل هي مصادفة أن يكون لجدنا وألهنا مردوخ خمسون اسما ويقطع لكل اسم رأس فتاة سبية، ويرسم على صدري خمسون غرزة أثناء عمليتي الجراحية الأخيرة.

ليستمر المطر بالنزول وترفع الشقائق أعناقها وسنبني بيوتا من الطين ثانية وعلى باب كلّ بيت جمجمة فتاة تحرس الدار من طائر الزو الغادر.

*******

One Comment on “(اللعب بجماجم من طين)- مراد سليمان علو”

  1. عالي وعالي جدا وما في اليد حيله اتالم …… …….. قرباني ءه و كلا مه دلي بر دردي مه ن … تحياتي استاذ مراد

Comments are closed.