ماذا بعد الدولة؟- بيار روباري

 

ليس لدي أدنى شك بأن الكرد، وخاصة بعد تجربة إقليم جنوب كردستان في الحكم الفدرالي، أصيبوا بخيبة أمل كبرى، وخيبتهم ستكون أكبر عندما يتم إعلان الإستقلال. وتجربة غرب كردستان التي عربوا إسمها فطاحل حزب العمال وسموها شرقستان، ليست أفضل ولن تكون أفضل من تجربة الجنوب.

نحن اليوم لدينا كل طقوس الدولة في جنوب كردستان، لدينا علم ونشيد وطني، رئيس للإقليم، برلمان شرطة، وأجهزة مخابرات، جيشين، سجون ومعتقلات، قنوات تلفزة لا حصرة لها، ضرائب، محاكم، سجاد أحمر، مطارات وطائرات رئاسية، وحمايات بعشرات الألاف، قنصليات أجنبية، وممثليات في الخارج، ميزانية خاصة، فساد ومفسدين، تسلط، محسوبية، …. الخ من الطقوس.

 

ولكن الأسئلة الحقيقية والجادة، التي يجب أن تُسأل هي التالية:

أين المواطن الكردي والكردستاني من كل هذا السيرك السخيف؟ هل نال حريته؟ هل يستطيع إختيار حكامه بنفسه؟ هل يملك قوة يومه؟ وهل كرامته مصانة؟ وهل نال نصيبه من خيرات بلده؟ وهل يتجرأ أن يحلم بالوصول لمنصب رئاسة الإقليم أو رئاسة الحكومة؟ وبماذا نفعته كل تلك الطقوس الكاذبة وهو يرى نصف إقليمه محتل من قبل أعدائه وبالتواطئ مع حكامه، والنصف الأخر يتقاسمه لصوص عائلة البرزاني والطالباني، وما لف لفهما من السراق والحرامية، على الطريقة الأسدية الذي حول سوريا إلى دولة جملوكية؟

 

ما الذي حققه الكرد خلال فترة ثلاثين عامآ، من علمٍ ومعرفة وأدبٍ وحريات عامة (فردية وجماعية)، صحف حرة، صناعات مدنية وعسكرية، أدوية ومعدات طبية، منتجات زراعية، وتعليم وكوادر تعليمية وحدة الأبجدية الكردية، صادرات للأسواق الخارجية، إنتاجنا من الكهرباء والسكن وماء الشرب، كم جسر فتحناه مع غرب كردستان، وكم سكة حديدية بنيناها لنقل البضائع والركاب، وكم مصفاة بترول ومعامل تكرير لدينا، هل بتنا قادرين بناء أبنية ومطارات من دون مساعدة الأتراك والأخرين.

كم عدد المبتعثين للخارج من أجل الدراسة في الجامعات الغربية، أين دور المرأة الكردية، ولماذا تم إقصائها وإضطهادها، وتقتل كل يوم إمرأة بحجة الشرف، وهل شرف المرأة في فرجها؟

كيف لصبي بل لصعلوك عمره عشرين سنة يقود جامعة ويترأسها!! والأنكى من كل هذا عمل الإدارات والمؤسسات بالأوامر، من إحدى المافيات العائلية ويأمر كل الوزراء والمسؤولين، ولا أحد يستطيع فتح فمه ويتفوه بكلمة.

 

نعم الحاكمين أنجزوا أربعة أشياء هي:

الشيئ الأول:

بناء مساجد لتخريج المتطرفين والإرهابيين، وعددها فاق ثلاثة ألاف مسجد، تم بنائهم في الإقليم بالسنوات الأخيرة وأكثريتها على نفقات الحكومة

الشيئ الثاني:

فتح عدد لا يحصى من المدارس التركية (الأردوغانية والغولانية)، والتي تدرس أطفالنا باللغة التركية، ويلبسونهم زيآ تركيآ أيض، ويعلمونهم كيف يمجدون رئيس الدولة التركية وعلمها.

الشيئ الثالث:

بناء شبكة فساد تقيمون أنتم عليها وتديرونها بأنفسكم، وأجهزة أمنية قمعية مهمتها الوحيدة تكميم أفواه الناس.

الشيئ الرابع:

هو بيعكم لأراضي كردستان (شنكال وكركوك) وكرامة المواطن الكردي، لأنكم عديمي الكرامة.

كل الذين رقصوا ودبكوا، وطبلوا وزمروا للسروك، الذي وعدهم بإقامة دولة كردية، لم يدروا سيصابون بخيبة أمل إذا تحقق ذلك ذات يوم، في ظل حكم هؤلاء الزعران، ولا يدرون بأن مجرد إعلان الدولة الكردية، سيندلع القتال مجددآ بين إمارتي الظلام، إمارة الطالباني القادرية، وإمارة البرزاني النقشبندية.

 

لو فكرتم وتسألتم، كم دولة في العالم اليوم، وجودها وعدم وجودها واحد بالنسبة لمواطنيها. الدولة التي نحلم بها نحن كشعب كردي وننشدها، بعيدة المنال في ظل سيطرة عائلتي البرزاني والطالباني وحزب العمال الكردستاني، على الساحة الكردستانية. كل ما ستحصلون عليه هو ما شاهدتموه في جنوب كردستان لا أكثر. وكل من يدعي غير ذلك ليس صادق ويخدعكم.

 

في الختام، حسب قناعتي على الشاعر والكاتب الحقيقي، أن يرى ما خلف الأشياء الظاهرة، ويستشف المستقبل ويسبق المجتمع بعدة خطوات ويكون صادقيآ معه ومع نفسه، وإن لم يكون قادرآ على ذلك، لقصور ما في وعيه أو قدارته، فعليه أن يجلس جانبآ ويفسح المجال لغيره. لأن الأمر يتعلق بمستقبل شعب ولا مجال هنا للمجاملات.

24 – 08 – 2020