مصير الصوت الكردي في الإنتخابات التركية الحالية – بيار روباري

 

أعلم جيدآ أن كتاباتي وأرائي السياسية والفكرية، تغضب الكثيرين من أبناء الشعب الكردي، وعلى وجه الخصوص المتديين منهم وأتباع الأحزاب الكردية، وما يدورون في فلك هذه الدكاكين الدينية والحزبية، وفي الأجزاء الخمسة من كردستان. وهذا المقال لن يكون إستثناء وأنا أعلم سلفآ أنه سيغضب الكثيرين من أصحاب المكانس والعمائم والسياسيين الكرد بمختلف طرابيشهم ومريديهم ومعجيبهم، وبالمناسبة إسم طربوش تسمية كردية رصينة وقد شرحتها في العديد من دراساتي التاريخية واللغوية الكردية، والعربان

أخذوا المصطلح عن التسمية الكردية “تر- پوش”.

مهمة الكاتب والصحفي والشاعر والفنان، أن يكون ضمير إمته وصوتها الحقيقي، ويجب أن يكون الناقد الأول لكل السلبيات التي يعاني منها المجتمع، وإنتقاد عمل الأحزاب والقادة السياسيين وفسادهم وفساد الشركات الكبرى، وقذارات ما يطلق عليهم زورآ تسمية (رجال الدين). أساسآ هذه التسمية نفسها تدليس وتزوير وضحك على الله إن وجود وبسطاء الناس، سواءً أكانوا رجال دين يهود، أو مسيحيين (كاثوليك، بروتستانت، أرثوذكس)، أو مسلمين (سنة وشيعة) أو زرادشتيين أو سواهم. كيف يمكن لدين ما له رجال أو حتى أنبياء؟؟؟

كان لا بد من هذه المقدمة والسبب في ذلك هناك البعض ممن ينتقدني ويتهموني بالسوداوية، وهذا غير صحيح لأنني بطبعي إنسان متفائل، ولدي قناعة راسخة تولدت من خلال التجربة الحياتية والعيش في ظل أنظمة شمولية وديمقراطية بالمقابل بأن النقد والحرية هما: “مفتاح التطور والنجاح دون جدال”، ومن لديه مشكلة مع الحرية النقد عليه مراجعة طبيب نفسي، ومن ثم عليه التخلص من مرض أسوأ من السرطان إسمه: “التقديس”. تقديس الأشخاص، الأفكار، الأديان، الألهة، الأحزاب، … إلخ”. أقول لهؤلاء المقدسين: لا يوجد شيئ مقدس لذاته في الكون على الإطلاق، التقديس فعل بشري بحت ونابع من داخل الإنسان، والتقديس نقيض النقد، ومن هنا مشكلتي مع الذين يقدسون أصحاب المكانس والعمائم، الحكام، زعماء الأحزاب السياسية، الأديان، الألهة، البقر، الثيران، البعير، الأصنام وغير ذلك.

والسبب الثاني لهذه المقدمة هو تأثير الدين الإسلامي القريشي الهمجي على نسبة كبيرة من أبناء الشعب الكردي وتقديمهم الدين على الهوية القومية، وهذه طامة كبرى إبتلى بها الشعب الكردي هذا إضافة إلى المذهبية (سنة، شيعة، علويين، …).

قبل الدخول في تفاصيل موضوعنا، دعونا نلقي نظرة سريعة على عدد أبناء الشعب الكردي في شمال كردستان (تركيا)، وأقصد بذلك فقط الذين يقرون بكرديتهم علنآ، وليس جميع الذين ينحدرون من إصول كردية، وبناءً عليه عدد المقاعد التي من المفترض أن يحصلوا عليها من مجموع مقاعد البرلمان التركي التي تبلغ (600) مقعد.

بحسب أكثرية التقديرات والإحصائيات الغير رسمية يبلغ عدد أفراد الشعب الكردي في شمال كردستان حوالي (35.000.000) خمسة وثلاثين مليون إنسان، وهذا يعني تبلغ نسبتهم تبلغ ما يقارب (42%) من مجموع سكان تركيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو (84.000.000) مليون إنسان. وهذا يعني أن الشعب الكردي من المفروض أن يحصد حوالي (252) مقعدآ. وهو عدد كبير للغاية ويمكن للكرد أن يشكلوا قوة سياسية ثانية في البرلمان إن توحدوا، ويكون لهم وزن وكلمة داخل البرلمان التركي، ودور كبير ومهم في الحياة السياسية التركية بشكل عام، ويمكنهم فرض أجندتهم على الدولة التركية، وعرقلة كل القوانين المضرة بالشعب الكردي، والتحكم بمن سيحكم تركيا. لكن ثلثي أصوات الشعب الكردي تذهب لأعدائهم وهذا أمر مخجل ومعيب وغير مقبول ومدان بأقصى العبارات. ونعلم أن أكبر عدد من المقاعد البرلمانية التي حصدها الشعب الكردي كانت في الإنتخابات ما قبل الأخيرة أي قبل أكثر من ثماني سنوات، عندما تمكن حزب الشعوب الديمقراطي من حصد (88) مقعدآ في البرلمان التركي ولم يستفيد منها بسبب تحكم حزب العمال بقرار هذا الأخير. ولا أظن في إنتخابات اليوم الأحد المصادف لي (14-05-2023) سيكون الحال أفضل من المرات السابقة ولأسباب سنتحدث عنها حالآ.

السؤال: أين تذهب بقية أصوات أبناء الشعب الكردي ولماذا؟؟

أكثرية أصوات الكرد تذهب لأعدائهم وخاصة حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وبعض الأحزاب التركية الأخرى ذات التوجه الإسلامي مثل حركة “غولن” وحزب الرفاه الذي أسسه اربكان، يصل نسبة هذه الأصوات التي تذهب للأتراك إلى ما يقارب 60% للأسف الشديد. وهذا يحرم الشعب من التحرر من الإستعباد التركي ونيل حقوقه القومية والسياسية المشروعة.

والأن حان الوقت للحديث عن أسباب تشتت “الصوت الكردي” في شمال كردستان، ولماذا يذهب جزء كبير منه لأعداء الشعب الكردي. في الواقع هناك عدة أسباب تقف خلف تشتت الصوت الكردي في هذا الجزء من كردستان ومن هذه الأسباب:

الأول: العامل الديني:

القسم الأعظم من الكرد المسلمين وهم سنة، يمنحون أصواتهم للأحزاب الإسلامية التركية، وذلك بسبب المعتقد الديني وتقضيمه على الهوية القومية الكردية. السبب الأخر نفورهم من حزب العمال و(ه د ب)

كونهما أحزاب يسارية ويحملون أفكار ماركسية، وينظر إليهم الناخب الكردي المسلم السني، أنهم كفرة وملحدين.

الكرد العلويين أيضآ النسبة الأكبر منهم يمنحون أصوتهم لحزب الشعب الجمهوري، وهناك العديد من قيادات هذا الحزب كردية علوية، وخير دليل على ذلك زعيم الحزب الحالي “كليشدار أوغلو”، ويقدمون علويتهم على هويتهم القومية للأسف الشديد.

الثاني: العامل الحزبي:

الأحزاب الكردية في شمال كردستان تنقسم إلى ثلاثة مجموعات هي:

1- الأحزاب اليسارية ويتزعم هذه المجموعة حزب العمال الكردستاني.

2- الأحزاب القومية ويتزعمها الحزب الديمقراطي الكردستاني – تركيا، ويدور في فلك البرزاني الموالي لتركيا بغض النظر عن حكومتها.

3- الأحزاب الدينية، قسم منها موالية للأحزاب التركية الإسلامية، وقسم منها تريد بناء دولة دينية ولو إستطاعوا لأعادوا الخلافة، أي أن هذه الأحزاب تقدم الهوية الدينية على الهوية القومية وهذا أمر جد خطير على مستقبل الإمة الكردية.

جميع هذه الأحزاب والدكاكين تتنافس على الصوت الكردي وتتصارع فيما بينها على المنافع الشخصية ، والحزبية على حساب مصالح الشعب الكردي القومية، هذا بدلآ من أن تتوحد هذه القوى وتحد خطابها وشعارها، وتناضل معآ من أجل إنتزاع حقوق الشعب الكردي القومية والسياسية في شمال كردستان، وتتحول إلى شريك في القرار السياسي والإقتصادي والأمني والعسكري في تركيا.

الثالث: تباين المطلب السياسي:

كل حزب من الأحزاب السياسية الكردية في شمال كردستان يرفع شعارآ مختلفآ عن الأخر، وليس هناك شعار سياسي كردي موحد يلتف حوله كافة القوى ويتقدمون به للمجتمع والدولة التركية بكل مؤسساتها، بمعنى هل يريد ون حكم ذاتي؟ أم فيدرالية، أو كونفيدرالية أم إستقلال كامل، أم يريدون فقط حقوق ثقافية ومواطنة متساوية؟؟

حزب العمال بعدما كان يطالب بدولة كردية مستقلة على كامل جغرافية كردستان، عندما كان اوجلان خارج السجن، ويخون كل حزب لا يطالب بدولة كردية مستقلة!!! وبعد دخوله السجن إنقلب على نفسه في ظرف (24) ساعة وأعلن رفضه المطلق لإقامة أي دولة كردية وفي أي جزء من كردستان، وبات اليوم يخون اوجلان وحزبه ومريديه كل من يطالب بدولة كردية!!! سبب هذا الإنقلاب هو رغبة اوجلان في التحرر من السجن، وهذا وهم ولن يفرج عن اوجلان إلا بضغط غربي وأمريكي جدي في إطار حل القضية الكردية حلآ شاملآ في تركيا بطريقة سلمية.

في المقابل هناك بعض الأحزاب الكردية الأخرى ترفع شعارات قومية براقة، ولكنها ضعيفة وهزيلة ولا وجود حقيقي لها بين الجماهير الكردية، وبرأي هي مجرد أحزاب شخصية ودكاكين للإرتزاق فقط لا أكثر. المطلوب والملح برأي هو تشكيل “جبهة كردستانية”حقيقية تتحدث بإسم الشعب الكردي في شمال كردستان والعالم، وتخوض الإنتخابات ككيان واحد، وتقود المفاوضات مع الدولة التركية في حال جرت مفاوضات في المستقبل، وعدم إنفراد أي حزب كردي بذلك مهما كان حجمه وموقعه، ورفع شعار واحد وقناعتي شعار “الفيدرالية لشمال كردستان والديمقراطية لعموم تركيا” هو الأفضل والأكثر واقعية في الظرف الراهن ومقبول عالميآ.

العلة الأخرى هناك العديد من الأحزاب الكردية (الدكاكين)، تريد أن يعمل حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) ويقاتل ويضحي بحياة عناصره وكوادره، وفي المقابل هم يريدون فقط تسلم المناصب والمنافع!!! هؤلاء مجرد مجموعة من الإنتهازيين  عديمي الضمير وتجار القضية، كل هم هو الركوب على ظهر الشعب الكردي المستعبد والمتجارة بدمائه وعذابات أبنائه، ولهذا يعادون حزب العمال الكردستاني لأنه قطع الطريق على هؤلاء من المتجارة بالقضية الكردية، وذلك من خلال سحب البساط من تحت أقدامهم بفعل عمله المخلص والدؤوب ومقارعة الدولة التركية بالسلاح، وتقديم ألاف الشهداء وكسب تعاطف قسم كبير من أبناء الشعب الكردي في شمال كردستان وفي الأجزاء الأخرى وهذا سبب غضبهم عليه وعلى اوجلان تحديدآ.

وأيآ كان الفائز في إنتخابات اليوم، ليس في برنامجه الإعتراف الرسمي بالشعب الكردي فما بالكم بمنحه حقوقه القومية والدستورية وإشاركه في القرار السياسي، الأمني، الإقتصادي للدولة التركية أو الإعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية إلى جانب اللغة التركية. إذا فاز مرشح المعارضة “كليشدار اوغلو” بمنصب الرئاسة، وتحالفه بأغلابية المقاعد البرلمانية، يمكن أن يخفف الضغط الأمني بعض الشيئ عن الشعب الكردي، ويتساهل في بعض الإمور الشكلية، ويحاول البحث عن حل شكلي للقضية الكردية، لأن هناك أحزاب شوفينية وعنصرية معادية للشعب الكردي داخل تحالف “كليشدار اوغلو”، ولن تقبل بمنح الشعب الكردي حقوقه القومية والسياسية، وهم أصلآ كانوا جزءً من الحزب الفاشي (م ه ب) المتحالف مع اردوغان منذ عشرات السنين.

دون وحدة الصف الكردي (يساريين، ليبراليين، قوميين، إسلاميين، علويين)، وتقديم الهوية القومية على الهويات الفرعية، لن يقوم قائمة للشعب الكردي وسيبقى فريسة للطرف التركي، وهذا الوضع يناسبه جدآ حيث يبقى الكرد لعبة في يدهم كمحتليهم لكردستان وتركيا كيان غير شرعي وليس هناك شعب في التاريخ إسمه أتراك ولا وطنه إسمه تركيا. وبهذه الحالة يبقى الشعب الكردي على هامش الأحداث والتاريخ، وأعدائه هم من يقررون مصيره ومستقبله ويستغلونه كعبيد في خدمتهم. وبرأي الجميع مسؤول عن هذا التشتت الكردي والتفرق دون إستثناء، بما فيهم البرزاني الذي يحرض أيتامه ضد حزبي (العمال الكردستاني والشعوب الديمقراطي)، وعدم التحالف معهم إرضاءً للدولة التركية المتحالفة معه، للحفاظ على مصالحه الشخصية والعائلية.

في الختام، ما لم يتحرر الكرد من عبودية الدين الإسلامي وخرافة علي، والتخلص من القوقعة المذهبية والإيدلوجيات المقيتة، وعبادة الأشخاص، وتقديم الهوية القومية الكردية على جميع الهويات الأخرى، لن يتسطيع الشعب الكردي في شمال كردستان التحرر من العبودية وإنتزاع حقوقه القومية، ويكون مواطن من الدرجة الأولى في وطنه ويعيش بكرامة ويعتز بهويته القومية ويمارسها بحرية. إن فوز الأحزاب التركية الرئيسية مثل حزب العدالة والتنمية أو الحزب الشعب الجمهوري في الإنتخابات البرلمانية وحصدهم عدد كبير من المقاعد، كان على الدوام بفضل الأصوات الكردية العميلة التي تذهب لتلك القوى والأحزاب  واليوم هذا السيناريو سيتكرر مثل كل مرة دون شك بفضل الكرد الجحوش وعبيد المال والمناصب ومن يعشون الذل.

هؤلاء الكرد الذين يمنحون أصواتهم للأحزاب التركية يشبهون مدمني المخدرات، فالمدن على المخدرات

صعبٌ عليه التخلص منها، وفي حالة هؤلاء الكردالمدمنين على العمالة والذل، من الصعب تحررهم من هذا الإدمان، وبقناعتي لا حل لإدمانهم، سوى الكوي وهذا غير متوفر حاليآ. الممكن حاليآ هو العمل على الأجيال الشابة من توعيتها عبر الإعلام والتربية البيتية والمدرسية، وكان على حزب العمال الكردستان برأي تشكيل حزب إسلامي كردي ولكن بملامح قومية، ودون أن يظهر هو في الصورة، وتكليف بعض عناصره الغير معروفين إعلاميآ دراسة الشريعة والفقه وترك لحيتهم لتصبح أكبر مكانس في التاريخ ويشكلوا إسلامي كردي، ويشتموا حزب العمال واوجلان في أدبياتهم ويدعمهم بالمال سرآ كي يكون له إعلام قوي يجذب المتديين الكرد حوله ويوعيهم قوميآ وبإسم الإسلام، لأن الدين الإسلامي معشعش في عقول الملايين من الكرد البسطاء والأميين وحتى قسم كبير من المتعلمين، كي لا يتم إستغلالهم من قبل الجماعات التركية والمرتزقة الكرد، ولكن حزب العمال لم يفعل ذلك ملتهي بتقيدس شخص اوجلان والإحتفال بعيد ميلاد وميلاد أمه على الطريقة الأسدية!!!!.

بتقريري الشخصي حوالي ثلي الأصوات الكردية ستذهب في إنتخابات اليوم للأحزاب التركية وتحديدآ حزب اردوغان وكليشدار اوغلو، وسيحصدون أكبر عدد من المقاعد في البرلمان بفضل الحمقى الكرد.

إذآ نحن الكرد مسؤولين بالدرجة الأولى عن وضعنا المزري وعبوديتنا للمحتلين الأتراك، وكل من يدعي عكس ذلك فهو كذاب.

في غرفة الإنتخاب أنت حر لمن تصوت، وليس هناك من رقيب على رأسك، فمن المنطقي والمفروض كإنسان كردي أينما كنت أن تمنح صوتك للأحزاب الكردية التي تناضل من أجل حقوق الشعب الكردي قولآ وفعلآ، وهم معروفين وكل قادتهم مسجونين، ومن العار أن تمنح صوتك ككردي لأحزاب تركية عدوة لشعبك أو لأحزاب كردية عميلة صنيعة المخابرات التركية وفيدان حقان هذا الكردي الوسخ. إن منحت صوتك للأحزاب التركية العدوة للأمة الكردية معناها أنت بلا شرف وبلا كرامة وعديم الإحساس بالمطلق. فإذآ لا يمكن لنا كشعب كردي تحميل كل مآسينا للسلطات التركية رغم إجرامها وعنصريتها وقذارتها، مسؤولية ما نعيشه من عبودية ومذلة منذ 700 عام. عصمت إينونو الشخص الثاني في الدولة التركية ألم يكن كرديآ بعد “مصطفى كمال” وأسس سويآ الدولة التركية الحالية، وشنوا حملة إبادة ضد الشعب الكردي عندما طالب بحقوقه القومية والسياسية إثر تحرير هذا الكيان اللقيط من المحتلين الغربيين؟؟

 

14 – 05 – 2023

 

 

One Comment on “مصير الصوت الكردي في الإنتخابات التركية الحالية – بيار روباري”

  1. ** من ألاخر { مقال رائع ولا أجرأ من هكذا كشف وتحليل والسؤال ، الى متى يبقى البعير على التل بعد ان دمر الجبل والسهل ، سلام ؟

Comments are closed.