القمار والميسر والمراهنة في كوردستان – حاتم خاني

 

أيام الدولة العراقية عندما كانت دولة مؤسسات , اذا انتشرت اي ظاهرة داخل المجتمع وأدت الى الاضرار به او ساعدت في هدم او تخريب اسس هذا المجتمع المستقر ( بالاخص في السنوات 1975 – 1980 ) كانت الحكومة تلجأ الى كل الوسائل التي تصل عن طريقها الى المواطن وتسخرها كلها من اجل التعريف بتلك الظاهرة وتحليلها والاسباب التي ادت الى انتشارها ومدى التأثير الذي تتركه على الاواصر والعلاقات الاجتماعية وتشجع الخبراء والباحثين الاجتماعيين للغور داخل هذه الظاهرة والادلاء بمواقفهم من خلال الصحف او الاذاعات او التلفزيون لكي تصل المعلومة الصحيحة للمواطن ثم البحث عن الحلول المناسبة للتخلص من نتائجها او التقليل من اثارها على المجتمع , كما كانت الحكومة توعز الى منظمات المجتمع المدني ( التي كانت تسيطر على معظمها في ذلك الوقت ) بالاضافة الى رجال الدين واعضاء الحزب بالتواصل مع المواطنين واطلاعهم على الاساليب الصحيحة للتخلص من هذه الظاهرة .
كانت الجرائد والمجلات تهتم بالقضية لعدة ايام او اسابيع متواصلة حتى يتم القضاء نهائيا عليها والتخلص من توابعها .
من هذه الظواهر , هو القمار الذي يؤدي الى ادمان المواطنين وخاصة الشباب ويسبب تعلقهم به الى حد الافراط في كل شيء يخصه من اجل الاستمرار في اللعب , حيث يعتبر القمار احد الاسباب الرئيسية في افساد المجتمع وهدمه وكسر الاواصر الاجتماعية التي تربط افراد العائلة مع بعضها االبعض او العوائل مع الاخرين , ونظرا لما لهذه الظاهرة من اثار سلبية وكارثية على المجتمعات لذا لجأت تلك المجتمعات الحديثة الى تكوين لجان يرلمانية متخصصة يعمل معها اصحاب الدراية بهذه الامور ويتم التواصل مع البؤر التي تنتشر فيها هذه الظاهرة لكي تتمكن من تعطيلها او التقليل منها في المراحل الاولى حتى يتم القضاء عليها في النهاية , او لجأت المجتمعات الغربية التي لا يكون للدين او التقاليد الدينية فيها من وجود او تحديد لسلوكيات الافراد والمواطنين الى بناء وتأسيس المستشفيات الخاصة بعلاج المرضى الذين يقعون ضحية لسماسرة القمار او تجارها ومنظروها .

وتنتشر القصص المؤلمة في مجتمعنا الذي لم يألف هذه الظاهرة بهذه العمومية وبهذا الانتشار الكبير , وتقف العوائل مشدوهة ومكتوفة الايدي امام تورط احد افراد العائلة او اكثر , وهي لا تعلم متى وكيف يتم وضع حد لاستمرار افرادها في اللعب اوالتعلق بهذا البلاء الذي حل بها . وقد سمعنا بقصة مرعبة تماما ادت الى بيع الزوجة بعد ان خسر ذلك اللاعب ماله واملاكه وسيارته وكل اعماله من اجل الاستمرار في اللعب ومن اجل الامل بالفوز اواسترجاع ما خسره . وقد تؤدي الظاهرة الى انتحار المتورطين بها بعد ان يفقد كل شيء , وقد سمعنا ايضا قيام احد الاباء بقتل ابنه من اجل وضع حد له لكي لا يضحي بافراد العائلة الاخرين .

كانت هذه الظاهرة مقتصرة في السابق على مسؤولوا الافواج الخفيفة او ما يدعون بالمستشارين للحكومة العراقية السابقة ومنتشرة فيما بينهم نظرا لما كانوا يكسبونه من الاموال الطائلة دون عناء , حيث كانت تتبخر تلك الاموال على موائد القمار دون ( وجع قلب ايضا ) , وكانت صالاتهم او اماكن لعبهم في الفنادق الكبيرة في بغداد , حيث كانت شرورهم بعيدة عن المجتمع وعن المواطنين العاديين في كوردستان , اما الان  وبعد ان تخلى معظم مسؤولي الحكومتين في بغداد واربيل عن القيام بالمسؤولية الحقيقية التي يفترض انها من ضمن مهامهم وعدم شعورهم بالمسؤولية الوطنية وعدم اهتمامهم بالمشاكل التي تنتشر في المجتمع سواء منها الاقتصادية او الاجتماعية , ولا مبالاتهم بالمواطنين العاديين مهما لحق  بهم من اضرار ومهما بلغت حدة هذه الظاهرة او تلك في نغص حياة هؤلاء المواطنين او احداث مشاكل كبيرة بين افراد المجتمع , حيث نعتقد ان عدم ارتباط هؤلاء المسؤولين وجدانيا بالمجتمع  وعدم مهنيتهم  كما هو مطلوب منهم وجهل اغلبهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم من خلال المواقع التي يتبوئونها  او عدم اطلاع كل اولئك الذين قدموا من الخارج على الحياة الاجتماعية التي يعيشها افراد هذا المجتمع ادت بالتالي الى ان تصبح هذه المشاكل منتشرة بشكل كبير بيننا ودون رادع ودون حل .

هل هناك حل ؟

الحل صعب جدا ويكاد يكون مستحيلا دون شعور بالمسؤولية لدى افراد السلطة نفسها نظرا لان هذه الظاهرة تحتاج الى جهود كبيرة جدا لا يمكن لافراد معينين او منظمة مجتمع مدني او مجموعة صغيرة من حزب معين القيام بايجاد الحلول لها دون تعاون السلطات وخاصة السلطات المحلية  .ونظرا لعدم اهتمام الحكومة بالمشاكل التي تعصف بالمجتمع وخاصة تلك المشاكل الاجتماعية وحتى الاقتصادية  لذا نقترح ان يكون هناك توجه ضمن الدعاية الانتخابية للحزب الذي يريد توسيع نطاق شعبيته هو الاشارة الى المشاكل الاجتماعية المقلقة للمواطنين مثل مشكلة القمار , والقيام بوعود انتخابية حقيقة لتبني الحلول الناجعة والفعالة لهذه المشكلة , كما ان على رجال الدين التركيز على هذه المشكلة والاصرار الاسبوعي بطرحها وربطها مع الاوامر الالاهية الاخرى التي تحض على النقاء والطهارة والايمان وجعل التخلص منها ونبذها امرا من اوامر طاعة الله , فقد يؤدي ذلك لتوعية المواطنين ومعرفتهم بمخاطر القمار ومدى تأثيرها الهدام على افراد عائلته .
اما وسائل الاعلام التي تتسابق للحصول على السبق الصحفي دون خدمة المجتمع , فعليها ان تدرك انها جزء من هذا المجتمع , وما يلحق بالمجتمع وما يضره ويعرقل مسيرته نحو الامام , فسيكون هذا الضرر على افراد تلك الوسائل الاعلامية نفسها , لذا عليها تحليل الظاهرة والالتقاء باصحاب الشأن والمتورطين بها وشرح الحالات التي آلت اليها وفضح المسؤولين عنها مهما بلغت درجة قربهم من السلطة او كبار المسؤولين , ونشر الحلول والطرق الكفيلة التي يجب على العوائل ان تلجأ اليها لتخليص ابنائها من هذا المرض .
اما العوائل فعليها ان تدرك ان من تورط بهذا المرض فهو مريض وعليها ان تتعامل معه على هذا الاساس وليس على اساس انه قد اخطأ ويجب ان يدفع ثمن خطإه , وعليها ان تلجأ الى المتخصصين واصحاب التجارب لكي تتمكن من علاج ابنائها , ونعتقد ان افضل علاج فردي هو تجريد المريض من اي منبع يمكن من خلاله الحصول على الاموال واعلام الاهل والاصدقاء بمرضه وعدم اخفاء ذلك خوفا من العار , لان اعادة الابن الضال اهم من الاستحياء , وكذلك الاهتمام الكبير برغباته الاخرى لكي لا يشعر المريض بالعداء مع الاقربين له  ومحاولة الهائه او اشغاله بامور محببة اليه . والاستمرار في ذلك لايام واشهر وقد تستغرق العملية اكثر من ذلك . وفي الحقيقة ان الامر يحتاج الى المتخصصين من الاطباء في هذا المجال وليس على بعض النصائح او الكلمات التي نطرحها نحن او غيرنا هنا او هناك .
ان طرحنا لهذا الموضوع هو للاشارة الى المشاكل التي تهدم مجتمعنا الصغير ونحن لا زلنا على عتبة الاستقلال الجزئي وكذلك لتنويه السلطات ان المشاكل السياسية ولا سيما بين الاحزاب الكوردية نفسها ليست هي الوحيدة التي تهدد بلدنا وان السياسة التي يتبناها بعض المسؤولين واصحاب السلطة في اغفال الجوانب المتعلقة بحياة المواطنين قد تنقلب ضدهم , فمشكلة القمار ومشكلة المخدرات ثم المشكلة العويصة الرواتب كلها نتجت عن السياسة الخاطئة للبعض في هذه الحكومة او تلك السابقة . ويبدو انهم لايشعرون بانهم المسؤولين عن هذه المشاكل كما يظهر ذلك من سكوتهم وعدم اشارة  اي شخص منهم الى هذه المواضيع .