السياسة عند العقلاء – كامل سلمان

في مؤتمر يالطا ، تلك المدينة السوفياتية الواقعة على سواحل البحر الأسود والتي عقدت فيها هذا المؤتمر على أعتاب الحرب العالمية الثانية والتي جمعت قادة دول التحالف المنتصرة في الحرب ، تحدث جوزيف ستالين رئيس جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق عن حق الأقوياء في بسط نفوذهم على العالم ، فأجابه وينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا قائلاً ( الأقوياء هم الأسود تأكل الفريسة لوحدها ولكن عليها أن تترك شيئاً للضباع ) فضحك ستالين وأشاد بعقلية تشرشل السياسية . بريطانيا أيضاً دولة عظمى وكان لها دور كبير في هزيمة المانيا النازية ، ولكن زعيمها عندما يتحدث يعرف بأن هناك الأقوى له التبجيل والاحترام لأن المسألة ليست شخصية بل هي مصلحة دولة وشعب وليس من حق السياسي الذي يقود الدولة أن لا يضع مصلحة وطنه فوق كل شيء ، فهذا واجبه في عمله ، عند بعض قادة الدول الضعيفة وخاصة دول منطقتنا يتحدث قادتها وكأن دولهم التي يقودونها هي ملك شخصي لهم ، فيتحدثون بكبرياء وطموح شخصي ولا يهمهم مصلحة البلاد والعباد ، فإن تدمرت البلاد وأهينت الأمة لا يفرق عندهم شيء لأنهم باقون على قيد الحياة وباقون على أعلى هرم السلطة ، صدام حسين الذي أهان العراق وشعب العراق عندما حشره في سلسلة حروب خاسرة مدمرة ، لأن عقليته السياسية لم تك تتعدى طموحه الشخصي ، فكل كلماته وخطبه كانت تعبر عن طموحه الشخصي لا عن مصلحة بلده ، وللأسف الناس كانت تنظر لشخصية القائد الفذة وهيبته وكارزميته وليست لعقليته . اليوم الحال يتكرر ، العراق بلد منهك ، متهالك ، شعبه جائع ، وضعه متخلف جداً ، خدماته تقترب من الصفر ، دول الجوار تتلاعب به كيفما تشاء ، دولة فيها السلاح منفلت ، دولة فيها إحتقان طائفي ، ديني ، قومي ، مع كل هذا الضعف ، تنتفخ أوداج قادة البلد ، وكأننا كنا ننتظر عنتر جديد ليقودنا بعد زوال العنتر القديم الذي ترك العراق رمادا ، أيها الناس نحن نحتاج إلى قادة بعقلية تشرشل لتنهض بالبلد وتعيد عافيته ، ولكن واحسرتاه ، اليوم قادة البلاد يريدون التحدي والحروب بدل التعويض والبناء ، تحدي من ؟ تحدي أقوى وأشرس دولة في العالم الولايات المتحدة الأمريكية ، خدمة لمصالح دولة جارة مجنونة في مواقفها أمام دول العالم ضاربين بعرض الحائط مصلحة البلاد والعباد ، يتحدونها ويرددون القول بأنهم لا يخشون أمريكا ، وانهم قادرون على هزيمة أمريكا ، لا أدري بأية مقاييس يهزمون أمريكا ؟ يقودون سيارات ( تاهو )الأمريكية ويتنعمون بوسائل ترفيهية وتكنولوجية أمريكية وجيوبهم مليئة بالدولارات الأمريكية ويريدون هزيمة امريكا ، نفس التفكير المتخلف يتوارثونه ، يعتقدون بأن قيادة البلد ليست سياسة بل شأن شخصي وقد يكون شأن عشائري أو شأن طائفي ، وهذه المرة شخصي وفيه مصلحة دولة جارة حاقدة . أما مصلحة البلاد وحال الشعب فلا قيمة ولا معنى له ، ليس لانهم يكرهون البلد ولا يبالون لحال الشعب ولكنهم ليسوا رجال سياسة أصلاً ، وليسوا رجال دولة ، جاؤوا إلى الحكم مقابل تعهدهم لتنفيذ اجندات خارجية ، يفهمون السياسة بمعنى المناصب واللصوصية ، فهل مثل هؤلاء سيرتقون إلى مستوى مراعاة حال الشعب وخدمة مصالح الشعب وحال البلد ؟ أنه لبعد السماء عن الارض بين ما نطرحه هنا وبين ما يدور في عقولهم ، لأن عقولهم حالياً وفي كل وقت مشغولة بالصراع من أجل تحقيق بعض المكاسب الطائفية مع العرب السنة وكيفية إذلالهم والصراع مع الكورد ومحاولة كسر شوكتهم وسرقة حقوقهم وتحدي امريكا والسويد والدول الغربية ومحاربة السعودية ودول الخليج العربي ، كل هذه التحديات لهذه الجهات والجبهات المختلفة فقط إرضاءاً لقيادة الدولة الإيرانية ، وهم يعلمون بأن كل هؤلاء ليست لهم عداوة مع العراق ، لا العرب السنة لهم عداوة ولا الكورد لهم عداوة ولا السعودية ولا دول الخليج ولا أمريكا ولا الدول الغربية لهم عداوة مع العراق ولكن قادة العراق ينفشون ريشهم ضد هؤلاء ولا يعرفون لماذا ؟ ، الواقع يخبرنا بإن الدول المتحضرة جميعها يمثلون تحدياً لإيران وللسياسة الإيرانية ولا يرضون لسلوكياتها العدوانية ، فبدل أن يصبح قادة البلد هؤلاء خداماً لبلدهم وشعبهم وعاملاً مساعداً لرفع الضغوط عن شعبهم وعن شعوب المنطقة ومن ضمنهم الشعب الإيراني والتخفيف من المشاكل التي تعصف بالمنطقة كلها ، راحوا وجلسوا بنفس الخندق الإيراني ليجعلوا الترابط العقائدي فوق العقلية السياسية ، وليزيدوا من توتر الأوضاع وتهديد كيان الدولة العليلة ، وكالعادة الخاسر الوحيد هو الشعب العراقي الذي لا ناقة له ولا جمل في أي صراع يحدث بالمنطقة ، في خضم هذه الصراعات يستطيع العراق أن يكون صديقاً للجميع ومركز توازن لدول المنطقة ويبعدون العراق عن الحروب وتصفية الحسابات ، لو كان في هذا البلد قادة يحبون بلدهم لفعلوا المستحيل من أجل التقرب إلى الكورد ، أنهم يحاربون الكورد وهم يعلمون بأنهم قادرون أن ينفتحوا نحو دول العالم الغربي من خلال الكورد الذين أثبتوا قدرتهم على التقرب مع دول وشعوب العالم الحر ، خاصة وأن الجاليات الكوردية أصبحت لها قوى مؤثرة في المجتمعات والدول الغربية ، ، يحاربون العرب السنة وهم يعلمون بأنهم قادرون أن ينفتحوا نحو الدول العربية والإسلامية من خلال العرب السنة ، يعادون أمريكا وهم يعلمون بأن مصالح العراق مع امريكا وليست مع إيران ويجهلون بأن كل الدول التي تعادي أمريكا بحاجة إلى مصالحها مع أمريكا وتتواصل بالسر مع أمريكا ، حتى الصين التي تسمي الولايات المتحدة الأمريكية بالإمبريالية علاقاتها بأمريكا عميقة جداً ورئيسها قبل فترة قصيرة زار أمريكا وعقد معها صفقات سياسية واقتصادية كبيرة جداً ، و الصين نفسها والتي يتمسكون بها ويتخذونها رمزاً لمعاداة أمريكا وإسرائيل ، الصين علاقتها بإسرائيل أفضل من علاقتها مع أية دولة عربية وإسلامية ، هؤلاء الناس أما أنهم لا يفهمون هذه الحقائق أو أنهم مشلولي الإرادة غلبت عقولهم الأوهام التي تضخها قيادات الدول المعادية لهم على مدار الساعة في عقولهم مع الخوف من فقدان سلطتهم . متى سيتعلمون السياسة ومتى سيتعلمون حب الأوطان ، ومتى سيعرفون عدوهم من صديقهم ؟