في أعقاب الهجوم المسلح الذي شنته مجموعات إجرامية على حاجز تابع للأمن العام في مدينة جبلة وريفها بتاريخ 6 آذار الماضي، والذي أسفر عن مقتل عدد من عناصر الأمن العام وتصاعد التوترات الأمنية بشكل غير مسبوق، دخلت المنطقة في دوامة من العنف والانتهاكات المروعة. القوات السورية ردت بحملة أمنية واسعة النطاق ترافقت مع قصف جوي استهدف قريتي دوير بعبدة وبيت عانا في ريف جبلة، لكن ذلك لم يضع حداً للأزمة، بل فتح الباب أمام سلسلة من الجرائم الوحشية التي طالت المدنيين.
مجزرة الساحل السوري: أرقام مروعة
وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، تم توثيق مقتل نحو 1700 مدني من أبناء الطائفة العلوية حتى الآن، في حصيلة مرشحة للارتفاع. هذه الجرائم تضمنت حالات اختفاء قسري، اغتيالات غامضة، اعتقالات عشوائية، وحرق المنازل والأراضي الزراعية، بالإضافة إلى نهب وسرقة واسعة النطاق. هذه الانتهاكات ألقت بظلالها الثقيلة على الوضع الإنساني والأمني في المنطقة، حيث تعيش الطائفة العلوية حالة من الخوف والقلق المستمر.
لجنة تحقيق “غير فعّالة”
استجابةً للضغط الشعبي والدولي، أعلنت الحكومة السورية في 9 آذار الماضي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق للتحقيق في هذه الأحداث. كان الأهالي يأملون أن تكون هذه اللجنة خطوة نحو كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، إلا أن الواقع بعد مرور شهر على تشكيلها يشير إلى عكس ذلك. أكد المئات من ذوي الضحايا للمرصد السوري أن اللجنة لم تجرِ أي لقاءات مباشرة مع الغالبية الساحقة من الأهالي، ما يثير شكوكاً حول نواياها ومصداقيتها.
غياب التواصل الفعلي مع الأهالي وتراخي اللجنة في توثيق الانتهاكات يعزز الشعور بالإحباط والتهميش لدى ذوي الضحايا، الذين يرون في اللجنة كياناً شكلياً أنشئ فقط لامتصاص الغضب دون تحقيق أي نتائج ملموسة. هذا التجاهل يعمق جراح المجتمع ويهدد بتكرار سيناريوهات سابقة، مثل لجان التحقيق التي شكلها نظام بشار الأسد والتي لم تصدر أي نتائج حقيقية، مما رسخ الشعور بالظلم وأبقى مرتكبي الجرائم في حالة إفلات تام من العقاب.
نداء المرصد السوري: تحقيق دولي عاجل
في ظل غياب العدالة المحلية، جدد المرصد السوري لحقوق الإنسان مطالبه بإرسال لجنة تحقيق دولية محايدة للتحقيق في المجازر المرتكبة في الساحل السوري. وأكد المرصد ضرورة:
- تشكيل لجنة تحقيق دولية : بعيداً عن أي تأثير داخلي، لضمان عدم التلاعب بالأدلة أو طمس الحقائق.
- فرض رقابة صارمة : على سير التحقيق لمنع أي محاولات للمماطلة أو تضليل الرأي العام.
- محاسبة مرتكبي الجرائم : وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب، لأن استمرار الإفلات من العدالة يعني تكرار المجازر وتهديد مستقبل البلاد بأكمله.
مخاطر الإفلات من العقاب
إن تجاهل هذه الجرائم وعدم محاسبة مرتكبيها لا يعكس فقط غياب العدالة، بل يفتح الباب أمام المزيد من الفوضى والانتهاكات. كما أن استمرار حالة الإفلات من العقاب يعمق الانقسامات المجتمعية ويهدد بكارثة إنسانية متجددة في سوريا.

