في تصريحات مثيرة للجدل نقلها الكاتب ورجل الأعمال الأمريكي جوناثان باس ، كشفت صحيفة “جويش جورنال ” عن دعوة غير متوقعة من رئيس سلطة دمشق الجديدة، أحمد الشرع ، إلى تعزيز التعاون الأمني مع إسرائيل ، في خطوة تُظهر تناقضاً حاداً بين الخطاب الدبلوماسي الرسمي وحقيقة التصعيد الإسرائيلي المتواصل داخل سوريا .
وخلال لقاء مطول مع باس، قال الشرع إنه “لا مستقبل للسلام أو الازدهار في سوريا ما دام الخوف والعداء هما السمة المسيطرة على العلاقة بين البلدين”، مضيفًا أن “سوريا الجديدة تبحث عن شراكات استراتيجية تحقق الاستقرار، حتى لو كانت مع إسرائيل “.
وجاءت تصريحات الشرع ضمن سعيه لتقديم نفسه كـ”رجل سلام”، يمثل انفراجة سياسية بعد عهد الأسد، وهو ما اعتبره مراقبون “محاولة لجذب الدعم الدولي والانفتاح على المجتمع الإقليمي الجديد، بمن فيهم الولايات المتحدة وإسرائيل “.
تصريحاته تناقض الواقع.. بينما يتوغل الإسرائيليون، لا يتحرك الجيش السوري
لكن هذه التصريحات التي تبدو “دبلوماسية أكثر منها واقعية “، جاءت في وقت تصاعدت فيه الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع متعددة في سوريا، خصوصاً في محيط دمشق وحلب ، حيث أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن “إسرائيل لم تتوقف عن استهداف المواقع العسكرية والمدنية، بل زادت وتيرة التوغلات الجوية والبرية عبر وكلائها في لبنان وداخل سوريا ذاتها “.
وأشارت تقارير محلية إلى أن “الحكومة السورية الجديدة لم تتخذ أي موقف عملي ضد الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، مما يعزز الشكوك حول مدى جدية الشرع في الحديث عن “مصالحة” مع الدولة العبرية، مقابل تقديم تنازلات أمنية وسياسية أكبر “.
وكان آخر التصعيدات الإسرائيلية قد شمل غارة جوية على منطقة تدمر، أدت إلى تدمير موقع أثري وتدمير بنية تحتية استراتيجية، بحسب ما ذكرته مصادر عسكرية سورية معارضة ، لكن الحكومة المؤقتة لم تصدر سوى بيانات رمزية تنفي فيها أي تعاون مع إسرائيل، بينما تُمارس سياسة الصمت أمام الاعتداءات.
ردود فعل غاضبة من الداخل السوري
على الفور، عبّرت قوى سياسية وعسكرية داخل سوريا عن “استغرابها واستيائها من تصريحات الشرع “، وقال المتحدث باسم فصيل “اللواء السوري”، مالك أبو الخير :
“كيف يطلب من الشعب أن يثق برئيس يدعو إلى الحوار مع العدو بينما لا يستطيع حماية الحدود ولا الدفاع عن السيادة؟! هذا ليس سلاماً، بل هو تفاوض بدون ضمانات، ويُستخدم كورقة تفاوضية مع القوى الغربية، بينما يتم تهميش السوريين أنفسهم”.
واعتبر أبو الخير أن “التعاون الأمني مع إسرائيل لا يمكن أن يكون إلا خيانة للشعب السوري ولتاريخ المقاومة السورية “، مشدداً على أن “سوريا لن تكون آمنة عبر تسليم القرار لأطراف خارجية، بل عبر بناء دولة قوية مستقلة تعتمد على شعبها وجيشه الحقيقي “.
كما انتقدت مصادر مطلعة من داخل جبل العرب هذه التصريحات، وأشارت إلى أنها “تندرج في إطار التطبيع غير المتبادل، الذي لا يخدم الأمن الوطني، بل يفتح الباب أمام المزيد من التدخلات الإسرائيلية تحت مسمى “التعاون الإقليمي” “.
الانقسامات الداخلية تتفاقم.. والمجتمع الدولي يراقب
تشير هذه التصريحات إلى الانقسامات العميقة داخل المشهد السياسي السوري الجديد ، حيث يبدو أن الشرع يسعى لرسم علاقة جديدة مع المحور الغربي، بما في ذلك إسرائيل، في ظل تغيرات جيوسياسية تشهدها المنطقة.
لكن الخبراء يرون أن “الدعوة إلى التعاون الأمني مع إسرائيل تأتي في توقيت غير مناسب، خاصة في ظل عدم استقرار الوضع الداخلي، وعدم وجود مشروع دولة حقيقي قادر على إدارة الفراغ السياسي والأمني في البلاد “.
وتساءل مراقبون:
كيف يمكن لإدارة لم تتمكن من فرض سلطتها على كامل الأراضي السورية، أن تتحدث عن تعاون أمني مع جهة تُعدها غالبية الشعب السوري عدواً؟
هل تتحول سوريا إلى مصر أم إلى تركيا جديدة؟
يُنظر إلى تصريحات الشرع على أنها “محاولة لمحاكاة النموذج المصري أو الإماراتي في التطبيع “، لكنها تتجاهل اختلاف السياقات. فبينما تتمتع مصر بإطار دولتي مستقر، فإن سوريا ما زالت تشهد حالة انقسامات داخلية وخارجية، وتواجه تحديات كبيرة في إعادة توحيد مؤسساتها وفرض سيادتها على كامل أراضيها .
وبينما يأمل الشرع في كسب ثقة الدول الغربية، يبدو أن المجتمع الدولي يراقب بحذر طبيعة العلاقة المستقبلية بين الحكومة الجديدة ودولة اسرائيل، خصوصاً وأن هناك مخاوف من أن تتحول سوريا إلى “حليف سلبي ” لإسرائيل في مواجهة النفوذ الإيراني، دون أن يكون ذلك في صالح الشعب السوري أو حقوقه الوطنية.

