حرب الطغاة فرصة للشعوب- د. عبدالباقي مایی

 

قال الشاعر المتنبی (٩١٥ – ٩٦٥) ”بذا قضت الأيام ما بين أهلها … مصائب قوم عند قوم فوائد”. و أرید هنا أن أطبق هذا القول علی الواقع الحالي عندما تصبح قوی الشر فی حیرة من أمرها بعد أن سادت فی العالم فسادا فأصبحت تتضارب وتتنافس وتحارب بعضها البعض علی حساب شعوبها دون أن تعرف لماذا وكيف تنهي الحرب. فتارة تخدع شعوبها باسم القومية والأمة والدين وتارة أخرى تدعی بالسياسة وحماية الأمن القومي فی دولها التی تكونت یوما بعد حروب عالمية أنهت أطوارا من التأريخ وعصورا من الحضارة والتقدم وأسست لحمایة عروشها قوانين و مبادئ لا تبت بصلة لإرادة شعوبها التی عانت الأمرين من حروبها و وقعت فريسة لهذه القوی التی لازالت تعیش علی إستغلال شعوبها وممارسة العنف والظلم والغبن ضد هذه الشعوب التی ترضخ تحت سلطنتها فلا تستطيع هذه الشعوب التمتع بحریاتها لا فی أوطانها ولا فی ملاجئها التی ترحل إلیها بحكم العولمة فی عصر السرعة والتمدن، ولا يمكنها ممارسة معتقداتها أو زراعة أراضيها أو إنتاج محصولاتها للعيش فی حریة وأمان لأن سلطاتها المكلفة بإسم الشعوب لتشریع وتطبیق القوانين لخدمة الشعوب تمنع تلك الشعوب من التمتع بممارسة حریاتها و التمتع بحقوقها كبشر.

المسافة بین الشعوب وسلطاتها تكبر یوما بعد یوم نتيجة لغياب القیم والمبادئ التی أتت بها هذه الشعوب وسلمتها باسم الدیموقراطیة والسياسة والقوانين إلی سلطاتها التی تتحول تدریجیا إلی أنظمة وهياكل إستبدادیة تستغل كل شئ لصالحها وتنسى من رفع بها إلی السلطة و من سلم إلیها مفاتیح القصور وكراسي الحكم فبنت بها هياكل لها بسن القوانین لصالحها وإستغلال السیاسة “فن الممكنات” فی تمويل عروشها لا فی خدمة الشعب بل لحماية تلك العروش وتكوين الشركات المتعددة الجنسیات بأموال الشعب بعيدا عن خدمة الشعب، فأصبحت تلك القوی تتمسك كل بسلطاتها وأمست تتنافس مع بعضها البعض علی السلطة والجاه والنفوذ لإستغلال الشعوب والتمتع بثرواتها حلالا عليها وحراما علی شعوبها التی أرسلتها إلی هياكل السلطة و الحكم.

هكذا وصلت العلاقة بین الشعوب وسلطاتها إلی طريق مسدود. الأمر الذی جعل الشعوب تشعر باليأس والقنوط. فكلما تعمق الخندق بین الشعب والسلطة أصبح عبور الخندق صعبا والخروج منه أصعب، و صار الإتصال بينهما مليئا بالأزمات والشكوك والاتهامات والمؤامرات، فلم تعد السلطات تستطيع إقناع الشعوب بسیاساتها و لم یعد للشعب وسيلة للتفاعل مع السلطة إلا بالوساطة والمحسوبية والمنسوبیة وكلها وسائل معروفة من صفات مرض الفساد. وكلما زادت المسافة بینهما صعب المنال وكثر السؤال و سار الحكم نحو الهلاك والزوال. هذه العلاقة السيئة بین الشعوب وسلطاتها تۆدی إلی تدهور الأوضاع المعاشية للشعوب فتلجأ إلی البحث عن وسائل النجاة والخلاص سواء” كان بالهجرة من الوطن واللجوء إلی أماكن أخرى للبحث عن الرزق والأمان أو بالبقاء فی بۆس وشقاء إلی أن یجد الشباب الواعی من الشعب طريقا للتخلص من السلطة. وقد إنفجرت ثورة الشباب فی الشرق الأوسط وهی الآن فی مراحلها الأخيرة من النضوج بتحولها من إستعمال العنف إلی التمسك بالمقاومة السلمية ضد الإحتلال والإستبداد والظلم والطغيان. أما قوی الشر فی هذه السلطات فتظل مستمرة فی ممارساتها التعسفیة مادامت تبتعد عن شعوبها، وتصبح سجينة لصراعاتها الهدامة مع بعضها البعض وهم فی غیهم يعمهون.

هذه الحرب الضروس التی تجري الآن بین إسرائیل و إيران هی قائمة أساسًا على مبادئ العنصرية والدين والإمپریالیة بعيدا عن مصالح شعوبها، بل هی حرب نفاق فی اعلى مستویاته لتدمير الشعوب وليس لخدمتها. وكان من المفروض لهذه الحرب أن تندلع منذ زمن بعيد. إلا أن الإمبريالية العالمية، بقيادة أمريكا، منعت وأجّلت اندلاعها، وهي لا تزال مترددة في تصعيد الحرب لحرصها المستمر على بقاء البلدين إیران و إسرائیل تحت نظاميهما العنصريين المشبوهين والمتناقضين. ولكن الحرب قد بدأت دون رغبة أحد، بل بتوفر الشروط الموضوعیة نتیجة فشل الأنظمة التی تحكم فی كل من أمریكا وإسرائیل و إیران، ناهیك عن ضعف مراكز القوی العالمیة الأخری المتمثلة بالمجتمع الدولی والأنظمة البدیلة للرأسمالیة والإستعمار. فقد إندلعت الحرب دون تخطیط مسبق لإیقافها، والضحیة هی الشعوب التی تعیش تحت ظلم هذه الأنظمة الثلاث، و لها أن تستغل ظروف الحرب وضعف أطرافها للإستمرار فی مقاومتها السلمية لكی تنهی الحرب لمصلحتها وهم أهل لها.

١٩\٦\٢٠٢٥

 

7 Comments on “حرب الطغاة فرصة للشعوب- د. عبدالباقي مایی”

  1. السيد د. عبدالباقي مایی
    تحية.
    للاطلاع:
    “حرب الطغاة فرصة للشعوب- “.
    حرب الطغاة على حساب الشعوب.
    ”بذا قضت الأيام ما بين أهلها … مصائب قوم عند قوم فوائد”.
    ليس كل ما أدلى بها الشعراء من كلام موزون ومقفى بمثابة نظرية طبيعية أزلية.

    محمد توفيق. علي

    1. شكرا علی تعلیقك الكریم. لا أدری أین وجدت فی مقالتی بأن شعر المتنبی أو أی شعر آخر هو “بمثابة نظرية طبيعية أزلية”؟!

  2. السيد د. عبدالباقي مایی
    تحية.
    للاطلاع:
    وجدته في مستهل مقالتك أعلاه وبدليل اضافتك لها “واريد هنا أن أطبق هذا القول على الواقع الحالي…”
    محمد توفيق علي

  3. أنا لم أعتبر قول المتنبی “نظریة طبیعیة أزلیة” بل إعتبرته من الأقوال المأثورة التی یمكننا تطبیقها عبرة و دراسة لیس إلا. آسف لسوء الفهم. مع تحیاتی و تقدیری.

  4. مصائب قوم عند قوم فوائد هذا القول يمثل العبيد اللصوص الفاسدي الجبناء العملاء لأعداء شعوبهم وخونة شعوبهم كما هو حال بعض المجموعات الكردية في العراق في إيران في سوريا يفرحون ويرقصون عندما تمر شعوبهم في كارثة في مصيبة ويسرعون الى تنفيذ أعداء شعوبهم وذبح شعوبهم وتدمير أوطانهم أما الأحرار الذين يفتخرون ويعتزون بإنسانيتهم بوطنيتهم عندما تمر أوطانهم شعوبهم بورطة بكارثة فلا يروها فائدة لهم أبدا

    1. شكرا لتعلیقك الملئ بالحقد والكراهیة نتیجة للخلط بین الطغاة والشعوب. لو كان أسلوبك أقل حدة وكراهیة لاستطعت أن تمیز بین الطغاة و الشعوب كما شرحت فی مقالتی بوضوح. تحیاتی.

  5. لایوجد لا فی مقالتی ولا فی قول المتنبی ما یشیر إلا أن هذا القول أو “ما أدلى بها الشعراء من كلام موزون ومقفى” هی “بمثابة نظرية طبيعية أزلية”. فهذا تفسیر غیر دقیق لما ورد فی مقالتی. أرجو التفضل بتصحیحه. مع الشكر والتقدیر مسبقا.

Comments are closed.