تحقيق لرويترز يكشف تورط هيئة تحرير الشام في عمليات قتل انتقامية في مجازر الساحل السوري

دمشق / إسطنبول، بتاريخ 30 حزيران 2025 — كشف تحقيق استقصائي أجرته وكالة رويترز للأنباء عن تورط خمس جماعات مسلحة على الأقل في سلسلة مجازر طالت المدنيين من الطائفة العلوية في منطقة الساحل السوري خلال الأيام الأولى من شهر آذار/مارس الماضي ، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1479 شخصًا ، وفق تقديرات أولية.

وجاء التحقيق بعد توثيق دقيق لـالمواقع الأربعين التي شهدت عمليات قتل جماعي ونهب وتشريد بحق العلويين ، وهو ما يُعد من أخطر الانتهاكات ضد المدنيين منذ بدء المرحلة الجديدة من الحرب السورية.

وبحسب التحقيق، فإن الجرائم المرصودة وقعت في الفترة الممتدة من 7 إلى 9 آذار/مارس 2025 ، وشملت بلدات ومدن متعددة في الساحل السوري وفي مناطق أخرى ذات غالبية علوية ، مثل بانياس وقرية أرزة وحمص وحلب وريف دمشق.

وأشار التحقيق إلى أن هذه العمليات لم تكن عفوية أو ناتجة عن فوضى، بل كانت منظمة ومخططة، مع وجود تنسيق واضح بين الجماعات المسلحة ومسؤولين محليين، وبعضهم مرتبط بالحكومة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الجولاني.

الجماعات المتورطة:
  1. هيئة تحرير الشام :
    شاركت في عدد من الهجمات عبر وحداتها الجهادية، خاصة في المناطق القريبة من جسر الشغور وريف اللاذقية، ونفذت عمليات قتل انتقامية وتفجيرات تستهدف المدنيين العلويين.
  2. الفرقة 400 ولواء عثمان :
    هذه الفصائل، التي تابعت تقارير أنها مرتبطة مباشرة بالاستخبارات التركية، شاركت في مجازر بمحافظات مختلفة، وتركزت معظم عملياتها في ريف حمص الشمالي وريف اللاذقية الجنوبي.
  3. جهاز إنفاذ القانون الأساسي (الذي يُعرف باسم “الأمن العام”) :
    يُتهم هذا الجهاز، الذي تم تشكيله ضمن الحكومة الانتقالية الجديدة، بأنه ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تسهيل عمليات القتل والنهب، أو على الأقل عدم التصدي لها.
  4. فصائل الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا :
    ومن ضمنها مرتزقة السلطان سليمان شاه ومرتزقة الحمزة، اللتان أدلتا بشهادات ميدانية وتسجيلات فيديو تُظهر مشاركتهما في قتل ما يقارب 700 مدني علوي ، وارتكاب أعمال نهب واغتصاب وتشريد .

    ونقل التحقيق عن أحد المقاتلين في فرقة السلطان سليمان شاه، قوله على صفحته في فيسبوك:

    “أغلقوا الكاميرات واقتلوا كل ذكر منهم. إنما دمهم دم خنزير نتن.”

  5. جماعات مسلحة سنية محلية وأجنبية :
    ومن ضمنها جيش الإسلام وجيش الأحرار وجيش العزة ، الذين كانوا مسؤولين عن عمليات القتل في مواقع متعددة، وصلت إلى نحو 350 ضحية.

    كما شارك مقاتلون أجانب من الحزب الإسلامي التركستاني ومن أوزبكستان والشيشان وبعض الدول العربية ، في ستة مواقع على الأقل، أدت إلى مقتل نحو 500 مدني علوي.

تورط هيئة تحرير الشام في عمليات قتل انتقامية

قال التحقيق إن وحدات من هيئة تحرير الشام شاركت في عمليات قتل انتقامية وأعمال نهب منظمة، في عشرة مواقع على الأقل، راح ضحيتها نحو 900 مدني ، وهو ما يشير إلى تحول الجماعة من دورها العسكري التقليدي إلى تنفيذ عمليات طائفية مركزة.

وقد تم توثيق تحركات بعض الوحدات التابعة للهيئة عبر صور الأقمار الصناعية، وشهادات ناجين، ومقاطع فيديو مسجلة في مواقع الهجمات، والتي أظهرت تعاملًا ممنهجًا مع المدنيين تحت غطاء الثأر من النظام السابق.

السكان السنة المحليون.. واستخدام العنف الطائفي

كما توصل التحقيق إلى أن جزءًا من المجازر كان نتيجة لانخراط مقاتلين محليين من السكان السنة، الذين انخرطوا في أعمال انتقامية بحق الجوار العلوي ، مستغلين حالة الانفلات الأمني التي أعقبت الانقلاب السياسي في دمشق وسقوط نظام الأسد.

وكان موقعا أرزة وبانياس الأكثر تضررًا، حيث قُتل أكثر من 300 شخص في البلدين، معظمهم من النساء والأطفال، وتم تشريدهم من منازلهم.

وقال أحد الناجين من قرية أرزة:

“لم يكن ذلك مجرد قتل، بل كان تصفية شاملة.. لقد أخذونا إلى الغابة، وبدأوا بإطلاق النار علينا واحدًا تلو الآخر”.

في المقابل، نفت الحكومة السورية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الجولاني علمها بهذه المجازر، وقال المتحدث باسم الداخلية إن “السلطات الجديدة تعمل على إعادة بناء الدولة، ولا يمكننا تحمل المسؤولية عن كل الانتهاكات التي وقعت في ظل الفوضى السياسية والأمنية”.

لكن نشطاء محليين يرون أن غياب المحاسبة هو أكبر دليل على تورط بعض الجهات في السلطة التنفيذية الجديدة، في إحداث هذا التطهير الطائفي المتبادل.

أدان فريق الأمم المتحدة للتحقيق في سوريا ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” بشدة هذه المجازر، ووصفت الأفعال بأنها “تطهير عرقي”، ودعت إلى فتح تحقيق دولي مستقل في هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.