ترامب والنمط “المجنون” في صنع القرار: هل الجنون استراتيجية لدى ترامب؟ أم أن السياسة الأمريكية باتت بلا رؤية واضحة؟

واشنطن / لندن، بتاريخ 6 تموز 2025 — يُعيد سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع القضايا الدولية، خصوصًا في الملف النووي الإيراني وحرب إسرائيل على طهران، و كيفية تعاملة مع الملف الاوكراني فيما يتعلق بأقوالة عن بوتين أو زيليسنكي، التساؤلات حول طبيعة المنطق الذي يحكم سياساته الخارجية.

ففي حديث مقتضب مع مراسل شبكة “فوكس نيوز” الشهر الماضي، سُئل ترامب:

“هل تخطط للانضمام إلى إسرائيل في الحرب ضد إيران؟”

فردّ قائلاً:

“قد أفعل ذلك. وقد لا أفعله. لا أحد يعلم ما سأفعله”.

وبعد أيام فقط من إيحاء ترامب بالموافقة على هدنة لمدة أسبوعين لإعطاء فرصة للمفاوضات النووية الإيرانية – الأمريكية الجديدة، عاد ليأمر بدكّ مواقع نووية إيرانية بضربات جوية مباشرة، وهو ما أثار استغراب الدبلوماسيين، وارتباك الاستخبارات، وحيرة الحلفاء والأعداء على حد سواء.

“نمط غير متوقع.. ولكنه لربما مقصود”

كشف تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن وجود نمط واضح في تصرفات ترامب، يتمثل في عدم القدرة على التنبؤ، وهو ما يجعل كل قرار يبدو كأنه لم يُتخذ إلا قبل لحظة واحدة من التنفيذ، أو حتى بعد تنفيذه.

وقال التقرير:

“أكثر ما يمكن التنبؤ به في دونالد ترامب هو أنه لا يمكن التنبؤ به”.

وأضاف:

“يتغير رأيه، يناقض نفسه، ويصدر قراراته بشكل مفاجئ، حتى بالنسبة لمستشاريه المقربين. هذا النمط ليس عشوائيًا دائمًا، بل قد يكون استراتيجية متعمدة”.

هل الجنون أصبح استراتيجية؟

يشرح الأستاذ بيتر تروبويتز من كلية لندن للاقتصاد (London School of Economics)، في مقابلة تحليلية مع “بي بي سي”، أن:

“ترامف بنى عملية صنع القرار في البيت الأبيض على نمط شديد المركزية، ويمكن القول إنه الأكثر تركيزًا على شخص واحد منذ عهد نيكسون، إن لم يكن أكثر”.

ويضيف:

“الرئيس ترامب لا يسمح لأجهزة الاستخبارات أو وزارة الخارجية أو حتى البنتاغون بتقديم خطط طويلة الأمد، بل يعتمد على غريزته، ومزاجه، وأحيانًا حتى تغريدة على ‘إكس’ لتقرير مستقبل العالم”.

وهو ما يُفسر لماذا لا تزال الدول الكبرى، بما فيها الصين وروسيا والمملكة المتحدة، تراقب تصريحاته على المنصات الاجتماعية كما لو كانت بيانات رسمية.

ترامب يستغل “الغموض” كسلاح دبلوماسي واستراتيجي

يبدو أن ترامب يستفيد من حالة اللايقين التي يخلقها في القرارات السياسية والعسكرية، باعتبارها أداة ضغط استراتيجية، سواء على الخصوم أو على الحلفاء.

وقال محللون إن:

“ترامف حوّل العشوائية إلى نظام. فهو يرفض تقديم أي تعهدات مسبقة، ولا يلتزم بأي اتفاقيات إذا لم تكن تخدم رؤيته الفورية، حتى لو كان قد وقّعها بنفسه في السابق”.

واعتبر البعض أن هذه الطريقة تشبه “العبث الجيوسياسي”، حيث يُستخدم الغموض كوسيلة لإحداث زخم داخلي، وفرض الذعر على الخارج.

انقسام داخل الإدارة الأمريكية

ورغم أن فريق الأمن القومي يحاول تقديم خطط واضحة، فإن العديد من المسؤولين الكبار داخل الإدارة يعترفون بأنهم لا يستطيعون التنبؤ بقرار ترامب القادم، مما يؤدي إلى فوضى تكتيكية في الخطاب الرسمي الأمريكي.

“ترامف لا يدير السياسة الخارجية عبر فرق عمل، بل عبر صراعه الشخصي مع العالم، وفي كثير من الأحيان، مع نفسه أيضًا”. المسؤولين الأوروبيين، وحتى بعض الوزراء الأمريكيين، بدؤوا يعاملون ترامب على أنه “متغير غير ثابت”، وليس كرئيس تقليدي.

كيف يتعامل العالم مع ترامب؟
  • الدول الحليفة مثل بريطانيا وبعض دول البلطيق وبولندا، بدأت تطلب “ضمانات مكتوبة”، وترفض التعامل مع التصريحات العفوية على أنها تعهدات دبلوماسية.
  • خصوم أمريكا مثل إيران وكوريا الشمالية، يراهنون على أن “جنون ترامب” قد يمنحهم فرصة للنجاة، كما فعل في عام 2018، عندما تراجع عن الضربات العسكرية قبل تنفيذها.
  • الشركات والمستثمرون العالميون يعيشون حالة تردد دائم، خوفًا من أن تقلب كلمة واحدة من ترامب الأسواق أو توقف صفقات بالمليارات.
  • البيت الأبيض نفسه يعاني من انقسام داخلي بين الذين يدعمون النهج العنيف وغير المتوقع، والذين يسعون لبناء سياسة خارجية مستقرة وقابلة للتنبؤ.
 هل “الجنون” هو أخطر سلاح لدى ترامب؟

يرى بعض الخبراء أن ترامف حوّل “اللامنطق” إلى نمط استراتيجي، وأنه يعتمد على عدم استقرار القرار السياسي كوسيلة لإضعاف خصومه، وإبقاء الحلفاء تحت ضغوط دائمة.

وقال الباحث في الشؤون الأمريكية الدكتور آدم هارفي :

“ما يقوم به ترامب يُشبه لعبة الروليت الروسي، لكن على مستوى السياسة العالمية. كل دولة تعتقد أنها تستطيع توقع خطوته، تخشى أن تكون الضحية التالية”.

ويضيف:

“البعض يعتبر هذا النوع من السلوك “استفزازًا”، بينما يراه آخرون “قوة نفسية”، لأنه يُربك العدو قبل أن يُطلق النار عليه”.

تداعيات داخلية وخارجية

على الصعيد الداخلي:

  • الانقسام داخل المؤسسة الأمريكية يتزايد، خاصةً بين من يرى أن ترامب يُضعف الهيبة الدبلوماسية للولايات المتحدة، ومن يرى أنه يعيد تعريف “القيادة”.
  • الناخب الأمريكي يواجه أزمة ثقة، حيث **لا يعرف إن كان رئيسه يخطط للسلام، أم أنه يلعب لعبة “الحرب النفسية” فقط.

على الصعيد الخارجي:

  • الدول الحليفة تشعر بالقلق من الالتزام الأمريكي، وتبدأ بالتحرك نحو التعاون مع الصين وروسيا كضمانات بديلة.
  • الخصوم، مثل إيران، يشعرون بأن أمامهم فرصة أكبر للمناورة، لأنهم يعتقدون أن ترامف قد يُغيّر موقفه في اللحظة الأخيرة، كما فعل مع سوريا ولبنان والصين.
  • المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي، تجد نفسها أمام قائد لا تُمكن التنبؤ بمواقفه، وهو ما يُعيق الجهود المشتركة لإدارة الأزمات الإنسانية والاقتصادية.

ترامف لم يعد مجرد رئيس للولايات المتحدة، بل هو ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية، حيث لا يُبنى القرار على البيانات، بل على التغريدات، ولا تُحدد السياسة عبر المؤتمرات، بل عبر المنصات الإلكترونية.

السؤال الآن:

هل هذا مجرد أسلوب ضغط، أم أننا أمام بداية عصر جديد من السياسة العبثية؟

هل يملك ترامب سياسة خارجية حقيقية؟ أم أنه يصنعها يومًا بيوم، وفقًا لقراءته لـ”الاستطلاعات” و”التغريدات”؟

One Comment on “ترامب والنمط “المجنون” في صنع القرار: هل الجنون استراتيجية لدى ترامب؟ أم أن السياسة الأمريكية باتت بلا رؤية واضحة؟”

  1. ** من ألأخر {١: يقولون (كثير من الجنون فنون) وما يقوم به هو في قمة الذكاء والعبقرية والدليل لا خصومه ولا حتى من حوله يدركون حقيقة من ينوي فعله ، والسبب لأن عالم اليوم غدا مملوءة بالخونة والعملاء والجواسيس ، وهذا ديدن من يقدرون خطورة المسؤلية ، سلام؟

Comments are closed.