في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة، والتي دخلت عامها الثاني على التوالي، يبدو أن إسرائيل لم تتمكن من تحقيق أهدافها الرئيسية، رغم استخدامها القوة العسكرية الضخمة، وقصفها المكثف للمدن والمخيمات، واغتيالها لقيادات حركة حماس، بل إن الواقع على الأرض يُظهر أن الوضع لم يتحسن، بل ربما ساء . فبدلاً من القضاء على حماس أو إضعافها، تجد إسرائيل نفسها تدور في حلقة مفرغة من العنف، بينما يزداد التمسك الفلسطيني بالأرض، ويتعزز الدعم لحركة حماس .
الاستراتيجية الإسرائيلية: بين القصف العشوائي وغياب التخطيط العسكري
ما قامت به إسرائيل في قطاع غزة لا يمكن اعتباره استراتيجية عسكرية ناضجة، بل يبدو كرد فعل عشوائي، يفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي. فبدلاً من تقسيم القطاع إلى مناطق جغرافية، وتطهير كل قطاع تباعاً، مع السيطرة الكاملة على الحدود والمعابر، اختارت إسرائيل القصف العشوائي، وطلب إخلاء المدن، ثم العودة إليها دون سيطرة حقيقية .
كان من الممكن لإسرائيل أن تتبع منهجاً أكثر فعالية، يتمثل في:
- تقسيم قطاع غزة إلى 3 أو 4 مناطق جغرافية ، والتركيز على منطقة واحدة في كل مرة.
- طلب إخلاء المنطقة المستهدفة رقم 1، ثم الدخول إليها بقوات برية مدعومة بالسلاح الجوي، وتدمير الأنفاق والمخابئ، واعتقال أو قتل المسلحين الباقين في المنطقة و بكل سهولة .
- إعادة السكان إلى مناطقهم بعد التطهير، تحت سيطرة مشددة، مع نقاط تفتيش صارمة ومنع التنقل بين المناطق إلا بتصريح .
- و بعدها تبدأ أسرائيل بالمنطقة رقم 2 و ثلاثة .. الى أن يتم القضاء على المخابئ و مقاتلي حماس.
- بسبب الخطة ستضطر حماس إما بالانسحاب من القطاع إلى مصر، أو تسليم السلاح، أو مواجهة التصفية الكاملة .
لكن ما حدث كان عكس ذلك: قصف شامل، تدمير البنية التحتية، قتل مدنيين، وفشل في القضاء على البنية العسكرية لحماس . بل وربما ساهم هذا النهج في تعزيز شرعيتها لدى الفلسطينيين، وزيادة الدعم لحماس، وتجنيد المزيد من الشباب في صفوفها .
تصريحات ترامب: قرار طفولي استعراضي أم تعبير عن فوضى سياسية؟
في منتصف هذه الأزمة، يخرج علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريح يدعو فيه إلى ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة ، كحلٍ للمشكلة، وهو تصريح لا يعكس فقط عدم النضج السياسي والعسكري ، بل يُظهر أيضاً غياب الفهم الكامل للواقع المعقد في الشرق الأوسط .
فكيف يمكن ترحيل مليوني فلسطيني من قطاع غزة؟ وأين يتم ترحيلهم؟ وما هي الدولة التي ستستقبلهم؟ وهل يعتقد ترامب أن الفلسطينيين سيقبلون بمغادرة أرضهم بسهولة، بينما يزيد تصريح ترامب و القصف الإسرائيلي من تمسك الفلسطيين بأرضهم؟
هذا النوع من التصريحات لا يخدم السلام، ولا يساعد إسرائيل، ولا يُحقق أمن المنطقة ، بل يُعطي حماس حجة إضافية للقتال، ويُعزز الخطاب التحريضي ضد إسرائيل والولايات المتحدة.
النتائج المترتبة على الأخطاء الإسرائيلية
النتيجة الحقيقية لما تقوم به إسرائيل اليوم هي:
- زيادة الدعم الإقليمي لحماس من قبل إيران وتركيا وقطر.
- ارتفاع عدد القتلى من المدنيين الفلسطينيين، ما يُعطي زخماً إعلامياً وسياسياً لحماس .
- زيادة الخسائر في صفوف الجنود الإسرائيليين ، بسبب عدم السيطرة الكاملة على الأرض.
- الضغط الدولي المتزايد على إسرائيل ، واتهامها بارتكاب جرائم حرب.
- زيادة الاستقطاب الدولي والانقسامات بين الدول المؤيدة لإسرائيل والمؤيدة للفلسطينيين .
الخلاصة: إسرائيل بحاجة إلى استراتيجية جديدة، لا إلى تصريحات ترامب
لا يمكن لإسرائيل أن تستمر في نفس النهج، فما يجري في قطاع غزة ليس حرباً تقليدية يمكن الفوز فيها بالقصف فقط، بل هو صراع وجودي مع حركة ترفض الاستسلام، وترى في المقاومة المسلحة السبيل الوحيد للبقاء .
ومن هنا، على إسرائيل أن:
- تعيد النظر في استراتيجيتها العسكرية، وتعتمد منهجاً أكثر دقة ونضجاً، يعتمد على التطهير المنهجي، وليس القصف العشوائي .
- تعمل على بناء جبهة داخلية فلسطينية معتدلة يمكن أن تكون بديلاً لحماس . و هذا لا يأتي من خلال قتل المدنيين.
- تعزز من الدعم الدولي لها، من خلال تقديم حلول واقعية، لا تصريحات مثيرة للجدل .
- تعمل على تهدئة الوضع في غزة، بمساعدة وسطاء إقليميين مثل مصر وقطر، بدلاً من التصعيد المستمر .
أما تصريحات ترامب، فهي أقرب إلى التصريحات الدعائية منها إلى خطط استراتيجية ، ولا يمكن الاعتماد عليها لحل أزمة معقدة كأزمة غزة.
في النهاية: غزة ليست ملعباً للتجارب السياسية أو العسكرية
غزة ليست مجرد قطعة أرض صغيرة، بل هي رمز للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الطويل الامد، و هي مصدر للتوتر الإقليمي والدولي . وكلما تأخرت إسرائيل في القضاء على حماس و وتأخرت أسرائيل و المجتمع الدولي في إيجاد حل شامل وعادل، زادت التكاليف، وارتفع عدد الضحايا، وتعقدت الأمور أكثر.
الوقت ليس لصالح أحد، والحل لا يكمن في القصف أو الترحيل العشوائي، بل في التفكير بجدية في استراتيجية حربية تحقن الدماء لا تزيد منها و تقلل من عناء المدنيين الابرياء، و بعدها التفكير في حل سياسي، يضمن أمن إسرائيل وحقوق الفلسطينيين.

