ثالثًا: المحلمية والسريان والهوية الكوردية المنسية
القول إن المحلمية والسريان يتقاطعون لأنهم كانوا مسيحيين فيما مضى، أو لأنهم عاشوا بجوار بعضهم، لا يعني أنهم عرب أو من أصول قبلية واحدة، بل العكس، إن هذا التداخل الديني والثقافي هو أحد خصائص كوردستان التاريخية، حيث عاشت شعوب مختلفة على أرض واحدة، دون أن تذوب هوياتهم، المحلمية كما السريان، ارتبطوا بالفضاء الجغرافي الكوردستاني، لغة، ومكانًا، ونمط عيش، وظلوا جزءًا من النسيج الكوردي رغم اختلاف الأديان والانتماءات المذهبية.
اللغة السريانية التي تُستخدم هنا كدليل على “القربى” تُكذّب هذا الادعاء، فهي لغة كنسية آرامية لا علاقة لها بالقبائل العربية، بل كانت مستمرة في كوردستان بفعل المقاومة الثقافية التي واجهت بها الشعوب المسيحية الاضطهادين العثماني والعربي، وإن كان البعض من المحلميون يتحدثون العربية اليوم، فهذا بفعل “سلطة القرآن”، أي سلطة الدولة الإسلامية التي فرضت التعريب لا كخيار، بل كشرط للوجود.
رابعًا: وحدة “آزخ – زبيد – المحلمية” ليست إلا تحالفًا عشائريًا سياسيًا
ما يُقدّم في النص على أنه “تحالف تاريخي” أو “وحدة أبناء عمومة” بين السريان وزبيد والمحلمية، ليس سوى تحالف عشائري شكلي، أقيم في ظل غياب التمثيل السياسي الحقيقي للسريان، وفي مناخ تُهيمن عليه سرديات العروبة، ويسعى إلى تصوير السريان كمجرد فروع لقبائل عربية، وهي ذروة التجنّي على هوية قومية كاملة، وهي إما القومية الأرامية على أراضي سوريا القديمة، أو القومية الكوردية بالكورد على أرض كوردستان الذين اعتنقوا عدة أديان على مر التاريخ.
والمفارقة، أن هذا التحالف الذي يدّعي مقاومة الطائفية، إنما يُعيد إنتاجها، لأن جوهره يقوم على إلغاء الفروق القومية، وتمرير خطاب “العائلة الكبرى” الذي يستخدمه كل مشروع توسعي عند الحاجة.
خامسًا: هل السريان في كوردستان كورد أم عرب؟
هذه الجدلية تُستغل باستمرار لتفكيك الهوية الكوردستانية، فهناك من يسعى، إما بحسن نية أو لأهداف أيديولوجية، إلى تصوير السريان كعرب مسيحيين، بينما تاريخهم، ولغتهم، وأدبهم، وكنائسهم، وموقعهم الجغرافي، يؤكد أنهم تبنوا ثقافة ولغة الآراميون، لكنهم أبناء كوردستان، ولا شك أن البعض من التبشيريين الأراميين، انتشروا في كوردستان، وتماهوا مع مكوناتها الاجتماعية والسياسية، وأصبح بعضهم جزءًا من النسيج الكوردي، دون أن يكونوا “عربًا” أو “أبناء عمومة لقبائل عربية”.
فسابقا جزءًا واسع من الكورد اعتنقوا الديانة المسيحية مثلما اعتنقوا قبلها اليهودية، وتبنوا السريانية-الأرامية لغة دينية، دون أن يُنتقص من كورديتهم، ودون أن يكونوا عربًا، فاختزال الهويات عبر اللغة أو الدين هو تضليل فج، لا يستقيم مع التاريخ ولا مع المنطق.
خاتمة: تفكيك الخرافة القومية تحت قناع “التحالف الاجتماعي”
إن ما يُروّج له في هذا النص ليس دعوة للتسامح، بل مشروع ناعم لإعادة صياغة الخريطة القومية للمنطقة، فكل محاولة لربط السريان بقبائل عربية، أو تصوير المحلمية كامتداد عشائري لربيعة، هي خطوة نحو نفي الكوردستانية عن الجزيرة، وتحويلها إلى أرض بلا ماضٍ قومي، تمهيدًا لتعريبها وطمس ملامحها الأصلية.
وهذه المحاولات، مهما تلونت بالشعارات الدينية أو العشائرية أو الثقافية، لن تُغيّر من حقيقة راسخة، أن السريان الذين عاشوا في كوردستان، وتكوّنوا فيها هم أبناءها، وأن المحلمية جزء من هذه الجغرافيا، وأن الجزيرة كوردستانية، وستبقى كذلك، رغم كل محاولات التزوير.
وعليه، فإن احترام السريان-الكور والسريان-الأراميين، لا يكون بادّعاء القرابة أو التشارك الهوياتي معهم، بل بالاعتراف الصريح بوجودهم، سواء كقومية مستقلة أصحاب سوريا العريقة، لها لغتها وتاريخها وحقها في التعبير عن ذاتها دون وصاية من سرديات القبائل أو سلطة الدولة أو إغراءات التآخي، الذي إن أُفرِط فيه تحوّل إلى شكل ناعم من أشكال الإلغاء، أو باعتبارهم من أبناء كوردستان، لهم من الحقوق والكرامة ما للكورد المسلمين، والإيزيديين، واليهود والزرادشتيين. فمحاولات تعريبهم بهذا القدر من السذاجة ومن خلفية تاريخية ضحلة لا تُفضي إلى تآلف، بل تُعمّق شرخ الخلافات، وتهدم ما تبقى من أمل في سوريا كـ “وطن للجميع.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
4/7/2025م


السيد د. محمود عباس المحترم.
تحية.
للاطلاع:
“الكورد السريان” تناقض عرقي اثنوغرافي على غرار “الكرد اليهود” أو “اليهود الكرد” والمقصود اليهود الكردستانيين الانحدار في اسرائيل. الكرد من الشعوب الايرانية وتصنف لغويا واثنوغرافيا مع البلوش والتات في الفرع الشمالي الغربي. وسابقا ضمن الشعوب الهندو ايرانية وقَبلها الهندو اوربية. ويشار اليه احيانا ضمن الشعوب الآرية عرقيا. وأما السريان، يشمل الآشوريين والكلدان من الديانة المسيحية، واليهود، جميعهم من عائلة الأقوام السامية أو الأفروآىسيوية. فشتان بين هذين التصنيفين على الصعيد الانثروبولوجي والديانة.
محمد توفيق علي
“الدكتور محمود عباس المحترم
أعتقد أنه من الأفضل ترك أمر تحديد الأصل القومي للسريان بأنفسهم، فالموضوع لا يرتبط فقط بالانتماء العرقي أو الأصل الجيني، بل هو أيضاً مسألة شعور وانتماء داخلي. والقومية في جوهرها ليست فقط “دماً”، بل هي أيضاً هوية نفسية وثقافية يشعر بها الإنسان.
وعندما نتحدث عن الشعور، فإن هذا الشعور قد يختلف من شخص سرياني إلى آخر، وفقاً لتجربته وبيئته وتاريخه الشخصي. أما من ناحية الأصل الجيني، فمن الصعب تحديده بدقة، بسبب اختلاط الدماء بين الشعوب والقبائل عبر القرون، وخاصة في منطقة مثل بلاد ما بين النهرين حيث تلاقت الحضارات وتبادل السكان.
أما الخوض في التاريخ القديم للبحث عن أصول السريان، فهو أمر معقد ومُثير للجدل. فلا يمكننا، من خلال التاريخ وحده، أن نستنتج بشكل قاطع أن للسريان أصلاً كردياً، كما لا يمكننا أن نؤكد أنهم من أصول آرامية أو سامية أو غيرها. فالأمر مشابه لما يُثار حول أصول الميديين: هل الكورد ميديون؟ هل الفرس ميديون؟ هل الأفغان أو البلوش أو الأذريون هم من نسل الميديين؟ لا توجد إجابة قاطعة.
ويمتد هذا النقاش إلى ما هو أكثر، حيث يُطرح سؤال حول السلالات الدينية، كادّعاء بعض الجماعات أنها من سلالة النبي نوح عليه السلام. وهنا نسأل: هل كان نوح شخصية حقيقية، أم أنه رمز ميثولوجي مثل آلهة الإغريق أو شخصيات الإلياذة والأوديسة؟ وهل للآلهة حقاً دور في الحروب كما يُذكر في الميثولوجيا؟
في رأيي، هناك الكثير من الأسئلة التي لا تمتلك إجابات مؤكدة، ومن الأفضل أن نتركها جانباً إلى أن تتوفر أدلة علمية دامغة تُثبت أصول الشعوب والقوميات بشكل موضوعي.
فلنترك للسريان أن يحددوا هويتهم بأنفسهم، ولنركز على الحاضر والمستقبل، لا على الجدل التاريخي الذي لا نهاية له.
تقبل أحترامي
هشام عقراوي”