طرطوس / دمشق، بتاريخ 22 تموز 2025 — كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان عن فجوات خطيرة في تقرير لجنة تقصي الحقائق الحكومية حول المجازر المرتكبة في الساحل السوري، مُشيرًا إلى أن “التحقيق لم يكن شاملاً، ولا حياديًا، بل كان أداة لامتصاص الغضب الدولي، وتمييع الحقيقة، وتبرئة منظومة القرار”، في ظل منع عائلات الضحايا من المشاركة، وتزوير وثائق الوفاة، وتجاهل الأدلة الواضحة على الطابع الطائفي للإبادة الجماعية”.
عائلات الضحايا لم تُدعَ.. والتقرير “استنساخ” للرواية الرسمية
أفاد المرصد أن “عديدًا من عائلات الضحايا من ريف طرطوس واللاذقية لم تُتح لهم فرصة اللقاء مع اللجنة، ولا تقديم شهاداتهم”، في تناقض صارخ مع المبادئ الأساسية للعدالة الانتقالية، التي تُلزم الجهات المحققة باستماع صوت الضحايا أولاً.
كما أكد المرصد أنه لم يتلقَ أي طلب رسمي من اللجنة للتعاون أو مشاركة الوثائق والشهادات التي جمعها، بما في ذلك تسجيلات مصوّرة تُظهر عمليات إعدام ميدانية لمدنيين علويين، مع ترديد شعارات طائفية مثل ‘الدرزي صليب، والعروبة نصرانية’، و‘الله أكبر، والطائفة باقية’”، مما يُظهر أن “اللجنة لم تكن تبحث عن الحقيقة، بل عن تبرئة مسبقة”.
“دوافع ثأرية” أم “إبادة طائفية ممنهجة”؟
بينما وصف تقرير اللجنة الدوافع بأنها “ثأرية”، يُظهر توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الهجمات استهدفت نساءً وأطفالاً من الطائفة العلوية، بعد اقتحام منازلهم، وحرقها، وحلق شوارب كبار السن، وتصوير الجثث كنُصب تذكارية”، وهو ما يُنافي تمامًا وصف “الثأر”، ويُعيد تعريف الجرائم كـ‘إبادة طائفية ممنهجة’، لا كرد فعل عفوي”.
وأكّد المرصد أن “الهجمات لم تكن عشوائية، بل مُخططة، وتم تنفيذها بتنسيق بين مجموعات مسلحة من العشائر وعناصر في وزارة الدفاع والأمن العام”، في ما يُشير إلى أن “الدولة ليست ضمانة، بل هي الجهة المنظمة”.
تضخيم الأعداد.. وتزوير الأسباب
أشار المرصد إلى أن “حملة تضخيم إعلامية سبقت المجازر، أعلنت عن سقوط آلاف القتلى في صفوف قوات الأمن، لخلق بيئة تبرر الانتقام”، لكن التحقيق كشف أن:
- تقرير اللجنة وثّق مقتل 298 عنصرًا من قوى الأمن ووزارة الدفاع،
- والمرصد السوري وثّق 273 قتيلًا فقط،
- أي أن الفرق لا يتجاوز 25 قتيلًا، وليس آلافًا كما زُعم.
وأضاف المرصد أن “هذا التضخيم كان وسيلة لشرعنة المجزرة، وتحويلها من جريمة إلى ‘رد فعل مشروع’”.
تزوير وثائق الوفاة: “الضحية مات بجلطة.. رغم رصاصة في الرأس”
في كشف صادم، كشف المرصد أن “عوائل الضحايا أُجبرت على التوقيع على وثائق رسمية تُرجع سبب الوفاة إلى ‘احتشاء عضلة القلب’، رغم وجود إصابات نارية واضحة على الجثامين”، وفي حالات أخرى، طُلب منهم التوقيع على أن الضحية قُتل على يد ‘فلول النظام البائد’، بناءً على تعليمات شفهية من موظفين في الدوائر الحكومية”، في ما يُعد تزويرًا مؤسسيًا للحقيقة، وجزءًا من مشروع تغطية الجريمة باسم الدولة.
وقال أحد الأهالي:
“جئت أستلم جثمان ابني، فطلبت مني الموظفة أن أُوقع على أن ابني مات بجلطة، بينما رأسه مثقوب برصاصتين”، وأضاف: “الدولة التي تُستخدم كغطاء للقمع، لم تعد ضمانة، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا”.
تقرير بلا مسؤولية.. ولا آليات للعدالة
يُعاني تقرير لجنة تقصي الحقائق من فجوات جوهرية، أبرزها:
- غياب أي مساءلة للقيادة أو منظومة القرار،
- الاكتفاء بتوثيق الأفعال الميدانية دون تتبع الأوامر،
- عدم طرح آليات تنفيذية للمحاسبة، سواء محليًا أو دوليًا،
- لغة باردة، تقشفية، تُقلّل من هول الجريمة، وتُهمل البعد الإنساني والأخلاقي،
- تجاهل تام لانهيار النسيج المجتمعي، وكأن القتل لم يكن سوى مخالفة إدارية.
وقال باحث في حقوق الإنسان:
“هذا التقرير ليس وثيقة عدالة، بل أرشيف تبرئة، و اللجنة التي تُحقق في جرائم ارتكبتها الدولة، لا يمكن أن تكون نزيهة، لأن الجلاد لا يُحاكم نفسه”.
المرصد يُجدد المطالبة: “لجنة أممية مستقلة.. أو لا عدالة”
يُعيد المرصد السوري لحقوق الإنسان التأكيد على مطالبه بتشكيل لجنة أممية مستقلة ومحايدة، للتحقيق في المجازر المرتكبة في الساحل السوري والسويداء”، وقال:
“من غير المنطقي أن يكون الجلاد هو القاضي”، وأضاف: “العدالة لا تُبنى عبر الغرف المغلقة، ولا عبر تقارير حكومية تُبرئ من يُدير الحرب، بل عبر آليات دولية تُعيد للدم معناه، وللضحية كرامته”.
حصيلة المجازر في الساحل: 1682 مدنيًا بينهم 1410 من العلويين
وبحسب توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن حصيلة المجازر في الساحل السوري منذ 6 آذار وحتى 28 نيسان 2025، بلغت:
- عدد المجازر الموثقة: 63 مجزرة،
- إجمالي الضحايا: 1682 مدنيًا،
- بحسب المحافظات:
- اللاذقية: 872 ضحية،
- طرطوس: 525 ضحية،
- حماة: 272 ضحية،
- حمص: 13 ضحية.
وأكّد المرصد أن “الضحايا من المدنيين العلويين، ولم تكن لهم أي صلة بالقتال”، مشيرًا إلى أن “الإبادة كانت ممنهجة، وطائفية، وتم تنفيذها بدم بارد، باسم الدولة، والسلاح، والقانون”.

