في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها العراق، يبرز الحشد الشعبي كرمز للاستقلال الوطني والمقاومة ضد الإرهاب والتدخلات الخارجية. هذه القوة، التي تشكلت بفتوى المرجعية الدينية العليا في النجف عام 2014 للدفاع عن العراق ضد تنظيم داعش الإرهابي، أثبتت كفاءتها وأهميتها في حماية السيادة الوطنية وسلامة الأراضي العراقية. منذ تأسيسه، لعب الحشد دورًا حاسمًا في تحرير مدن مثل الموصل وتكريت، مما جعله ركيزة أساسية في بناء الجيش العراقي وتعزيز الاستقرار. ومع ذلك، يواجه الحشد اليوم تحديات داخلية وخارجية تهدف إلى تقويض دوره وإضعافه، لكن جذوره العميقة في الشعب العراقي تجعله قوة لا يمكن الاستغناء عنها في مواجهة التهديدات المستمرة.
من يطالب بنزع سلاح الحشد الشعبي؟
الضغوط على نزع سلاح الحشد الشعبي تأتي من مصادر متعددة، تعكس أجندات متضاربة تهدف إلى إضعاف الشيعة والسيادة العراقية، وتشمل:
-
- الضغط الأمريكي: الولايات المتحدة، كما أظهرت تصريحات وزير خارجيتها ماركو روبيو في اتصاله بمحمد شياع السوداني في 22 يوليو 2025، تعرب عن قلقها البالغ من قانون تنظيم الحشد الشعبي، معتبرة أنه سيرسخ النفوذ الإيراني ويُقوض السيادة العراقية. هذا الضغط يعكس رغبة واشنطن في فرض هيمنتها على العراق ومنع قيام قوة وطنية مستقلة قد تعارض مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
-
- مرتزقة وأذناب الأمريكيين: هؤلاء يرفعون الصوت عاليًا، كما يظهر في الكاريكاتير المرفق الذي يصور أمريكا تحمل داعش كدمية، لتبرير استمرار الوجود الأمريكي ودعمهم لنزع سلاح الحشد كجزء من خطة لإضعاف المقاومة العراقية.
-
- الطائفيون المعادون للشيعة: هناك أطراف، سواء داخل العراق أو خارجيًا، ترى في الشيعة تهديدًا لنفوذها السياسي والطائفي، وتسعى لكسر إقتدارهم عبر نزع سلاح الحشد لفرض واقع جديد بالقوة والدم، مستغلة التوترات الداخلية لتعزيز أهدافها.
-
- الإنهزاميون من الشيعة: بعض الأطراف الشيعية، مدفوعة بالخوف أو رغبة في التقرب من الغرب، يتسابقون لتلبية رغبات الأمريكيين، مما يعزز الانطباع بأنهم يخدمون أجندات خارجية على حساب مصالح الشعب العراقي.
-
- وجهاء الشيعة المتناقضون: ما يزيد الطين بلة أن بعض “وجهاء” الشيعة، بمن فيهم شخصية بارزة مثل مقتدى الصدر، يدعمون فكرة حل الحشد الشعبي، وهو موقف يتماشى مع دعوات الوزير الأمريكي روبيو. هذا التوجه يثير تساؤلات حول دوافعه، خاصة أن الصدر، الذي يقدم نفسه كزعيم تيار وطني و قائد مقاوم ، يبدو اليوم متأثرًا بضغوط داخلية أو خارجية، مما يسقطه في أعين جمهوره الذي يراه كزعيم مقاوم. هذا التناقض يعزز شعور الشعب بأن من ينادي بحل الحشد قد لا يكون بعيدًا عن أجندات الخارج.
يُطالب هؤلاء جميعًا بنزع السلاح، لكن الأمل يبقى معلقًا على حاملي العمامة الشيعية لمراعاة حساسية مواقفهم وبعدهم عن مغازلة الغرب. فالدعوات بحل الحشد، سواء من الصدر أو الأمريكيين، قد تؤدي إلى نفور الشعب، الذي يقارن بين الصورة المثالية للزعامة المقاومة (مثل نماذج التضحية التأريخية) وبين مواقف الضعف أو الاستسلام غير المشروط التي يطلقها البعض.
توقيت مريب للدعوات بنزع السلاح
التوقيت الحالي، في ضوء التطورات في سوريا ولبنان والعراق ، يثير الشك حول نوايا من يدعون إلى نزع سلاح الحشد. تحذيرات المحللين والمفكرين من هجمة داعشية جديدة في العراق ولبنان، خاصة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، تضع المنطقة على حافة الخطر. ظهور شعارات مثل “قادمون يا كربلاء” من جماعات متطرفة، إلى جانب تهديدات “ممر داوود” الصهيوني، يؤكدان أن العراق بحاجة ماسة إلى قوات مثل الحشد للدفاع عن أمنه القومي.
في مثل هذا السياق، أي دعوة لتجريد الشيعة من سلاحهم، سواء كانت صريحة من الصدر أو روبيو، أو مغلفة بالتباكي على هيبة الدولة، تبدو مشبوهة وتتماشى مع أجندات الأعداء الذين ينتظرون فرصة للانقضاض على العراق.
الفقهاء: الأمل الأخير للشعب
ومع تشديد الإدارة الأمريكية قبضتها على الحكومة العراقية، مجلس النواب، الاقتصاد، وحتى الأجواء العراقية عبر عملياتها العسكرية والجاسوسية، يتساءل المرء عن مصير “الرهان السلمي” الذي تبنته القوى السياسية للتحرر من الهيمنة الأمريكية .
الضغوط الأمريكية، بما فيها التهديدات والاغتيالات، تقيد الزعماء السياسيين، بمن فيهم أصوات مثل مقتدى الصدر الذي قد يكون خضع لضغوط داخلية أو خارجية. هذا الواقع يجعل الفقهاء هم الملاذ الأخير. علماء الدين، الذين أفنوا حياتهم لنيل رضا الله، لا يخشون الضغوط، ويمكنهم تحريك الشعب ضد الهيمنة المذلة. فتحرير الأمة من ذل المستعمرين، سواء كانوا أمريكيين أو يدعمون أجندات خارجية، هو الرضا الأسمى الذي يسعون إليه، وهو ما يمكن أن يعيد التوازن للمشهد السياسي العراقي.
لماذا انقسام الشيعة حول السلاح؟
الانقسام بين الشيعة لا يتعلق بجدوى الصدام مع المحتل، فالجميع واعٍ بخطورة الأعداء الذين يعلنون عداءهم الطائفي. لا أحد يسعى لمواجهة مباشرة، لكن الخلاف يدور حول استراتيجيتين أساسيتين:
-
- الجدلية الأولى: الإذعان أم الردع؟
-
-
- بعض الأطراف، بمن فيهم من يدعم دعوات الصدر وحلفائه، تراهن على الإذعان غير المشروط لأمريكا، معتقدة أنه سيحقق الأمان ويحل الأزمات الداخلية. لكن التجارب المريرة مع الأتراك، الجماعات التكفيرية في سوريا، والكيان الصهيوني، تدفع غالبية الشيعة للتمسك بقوتهم كوسيلة ردع وحيدة. الرسالة واضحة: الاستسلام قد يعرضهم للذبح، بينما القوة تحميهم من التهديدات المتزايدة.
-
-
- الجدلية الثانية: التواصل مع الأعداء وطلب الأمان
-
-
- بعض الأطراف الشيعية، ربما مدفوعة بالضغوط أو المصالح الشخصية، تنخرط في مفاوضات سرية مع الأعداء، طالبة الأمان مقابل الحياد في أي مواجهة. هذا السلوك، الذي قد يشمل دعمًا ضمنيًا من أمثال الصدر، يثير تساؤلات حول شرعيته ووطنيته: هل هو مبرر أم خيانة؟ الإجابة تكمن في تقييم الموقف بناءً على المصالح العليا للأمة، وليس مصالح فئة أو زعيم.
-
دور إيران والمقاومة
اتهامات سابقة لإيران بتحريك السلاح الشيعي تلاشت بعد مواجهتها الأخيرة ضد تحالف عالمي، حيث لم تطلب عون أحد ولم تحرك “أذرعها”، مما يؤكد استقلالية قرارها ودعمها للعراق كحليف استراتيجي دون التدخل المباشر. هذا الالتزام بضبط النفس من قبل أطراف المحور، مع التركيز على الأولويات الوطنية، يعزز مصداقية الحشد كقوة عراقية بحتة، وليس مجرد أداة إيرانية كما تدعي واشنطن. هذا الدور الإيجابي يبرز الفرق بين دعم إيران الذي ساعد في هزيمة داعش، وبين الوجود الأمريكي الذي يُستخدم كذريعة للتحكم بالعراق.
أخيرًا
الحشد الشعبي ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو رمز للكرامة والسيادة العراقية. في ظل التهديدات الداعشية الجديدة، هيمنة أمريكا، وبروز أجندات الطائفيين والإنهزاميين بقيادة أصوات مثل مقتدى الصدر، يبقى التمسك بالحشد ضرورة وطنية. الفقهاء، بقيادتهم وتحريكهم للشعب، هم الأمل لمواجهة الضغوط الخارجية واستعادة الاستقلال. الانقسام الشيعي، الذي يتضمن دعوات الصدر بحل الحشد متفقة مع روبيو، يجب أن ينتهي عبر الوحدة حول خيار الردع. فالقوة وحدها هي التي تحمي العراق من الذل، الاحتلال، والعدوان، وتضمن استمرار دوره كدولة مستقلة وسط التحديات الإقليمية.

