صوت كوردستان:
في ظل التدهور المستمر للأوضاع في سوريا، تبرز ظاهرة تناقضية تثير التساؤلات الجادة: بينما تُعاني جميع القوى الفاعلة في الساحة السورية من تراجع في النفوذ والقدرة على التأثير، نشهد في المقابل تصاعداً ملحوظاً في قوة كل من “هيئة تحرير الشام” بقيادة أبو محمد الجولاني، وتنظيم “داعش” الإرهابي. هذا التطور، في الظاهر، يبدو غير منطقي، بل مستحيل، فكيف لتنظيمين يُفترض أنهما متنافران – بل عدوّان لدودان – أن يزدهرا معاً في نفس البيئة، وفي نفس الوقت؟
الجواب لا يكمن في الصدفة، بل في تفاهم استراتيجي غير معلن، أو ما يمكن تسميته بـ”التحالف الخفي”، حيث تم توزيع الأدوار بين الطرفين بشكل دقيق ومحسوب، يُمكن من خلاله تحقيق الأهداف المشتركة دون الحاجة إلى ظهور شراكة رسمية.
فمن الناحية النظرية، يُقدّم الجولاني نفسه كـ”البديل المعتدل”، زعيماً تحول من تنظيم “النصرة” التابع للقاعدة إلى حاكم يسعى لإقامة “إدارة مدنية” في الشمال السوري. وهو يدّعي محاربة الإرهاب، ويُصرّح علناً بعدائه لداعش، بل ويُطالب بـ”استلام ملف مكافحة الإرهاب” من قوات سوريا الديمقراطية، معتبراً نفسه الجهة الوحيدة القادرة على ضبط الأمن في المناطق المحررة.
لكن الواقع على الأرض يُناقض هذا الخطاب تماماً. ففي الوقت الذي تُكثّف فيه قوات الجولاني عملياتها القمعية ضد المدنيين، وتستهدف بشكل منهجي العلويين، والدروز، والكورد، والمثقفين، والعلمانيين، نجد أن تنظيم داعش يُكثّف هجماته ضد قوات سوريا الديمقراطية، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في شرق الفرات، بعشرات الهجمات الشهرية، تفجيرات، كمائن، واغتيالات. بينما لا تهاجم القوات الامريكية.
والأكثر إثارةً هو أن قوات الجولاني لا تحرك ساكناً أمام هذه الهجمات. لا تحذيرات، لا عمليات استباقية، لا ملاحقة للخلايا، لا حتى إدانة رمزية. وكأن الهجمات الداعشية لا تمثل تهديداً لأمن مناطق نفوذه، بل تُرحب بها كأداة لتقويض خصومه السياسيين والعسكريين.
هذا الصمت ليس عبثاً، بل هو جزء من خطة ممنهجة.
فـداعش، في هذه المعادلة، يُستخدم كـ”ذراع غامضة” تعمل خارج الإطار الرسمي، وتُنفّذ المهام التي لا يمكن للجولاني أن يُعلن عنها علناً: إضعاف قسد، تقويض المشروع الكوردي، ترهيب المجتمعات المدنية، وخلق بيئة من الفوضى تُبرر وجود “السلطة” الجولاني كحل وحيد.
أما الجولاني، فيتولى “الوجه الرسمي” للنظام: يُصدر قرارات، يُنظم امتحانات المدارس، يُجري لقاءات دبلوماسية، ويُقدّم نفسه للغرب كـ”البديل المنظم” أمام الفوضى الداعشية. لكن في الخفاء، يُواصل تصفية المكونات التي لا تتماشى مع رؤيته الطائفية، ويُوسع نفوذه عبر العنف الممنهج.
ما يُعزز فرضية التفاهم بين الطرفين هو أن داعش لم يعد يستهدف القوات الأمريكية أو قوات التحالف الدولي في سوريا، على عكس ما كان يحدث في ذروة نشاطه بين 2014 و2017.
رغم وجود قواعد عسكرية أمريكية في شرق الفرات، ووجود طائرات استطلاع ودوريات تابعة للتحالف، لا تُسجّل أي هجمات داعشية مباشرة ضد هذه القوات منذ سنوات.
في المقابل، تتركّز كل الهجمات على قوات سوريا الديمقراطية، والمجتمعات الدرزية، والعلوية، والشخصيات المدنية المعارضة.
هذا التمييز في الاستهداف ليس صدفة، بل يُشير إلى تنسيق دقيق بين داعش وحلفائه غير المعلنين.
فمن خلال تجنّب مواجهة الولايات المتحدة، يُحافظ داعش على “الهدوء النسبي” مع الإدارة الأمريكية، ويُجنب الجولاني أي تدخل عسكري جوي أو دبلوماسي ضده، بينما يُستخدم التنظيم كأداة لتصفية الحسابات المحلية: تقويض قسد، إرهاب الأقليات، وضرب أي مشروع ديمقراطي أو مدني في الشمال والشرق.
الدليل الأقوى على هذا التفاهم هو انعدام أي مواجهة فعلية بين الطرفين. فرغم السيطرة الكاملة للجولاني على مناطق واسعة من الشمال السوري، لا تُسجّل أي عملية عسكرية له ضد خلايا داعش، بينما تُسجل داعش عشرات العمليات ضد قسد، دون أن تُستهدف قواعدها أو طرق إمدادها من مناطق الجولاني.
هل يمكن لتنظيم إرهابي أن يُنظم هجماته، ويُنقل مسلحيه، ويُخزن أسلحته، دون أن يُكتشف، في مناطق تخضع لرقابة أمنية مشددة؟
الجواب: لا، إلا إذا كان هناك تنسيق صريح أو ضمني.
ومن هنا، تظهر الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها: زيادة قوة الجولاني وداعش معاً ليست صدفة، بل نتيجة تعاون مُخطط له.
الجولاني يُنظف الداخل من “الكفار” و”العلمانيين”، وداعش يُرهّب الشرق ويُضعف القوة الوحيدة التي تمثل بديلاً سياسياً وعسكرياً له.
الغرب، وبعض الدول الإقليمية، قد يُفضلون الجولاني كـ”الشرّ الأصغر”، لكنهم يغفلون أن الشرّ الأصغر قد يكون الأكثر ذكاءً في إخفاء وجهه الحقيقي.
فالذي يُسكت عن الإرهاب، ويُوسع نفوذه على أنقاض الأقليات، ويُستخدم تنظيماً إرهابياً كأداة ضغط، ليس بريئاً، بل شريكٌ في الجريمة.
سوريا اليوم تعيش مرحلة خطيرة، حيث تُدار الحرب ليس بين أعداء، بل عبر تحالفات خفية بين من يُفترض أنهم خصوم.
الجولاني وداعش ليسا نقيضين، بل وجهان لعملة واحدة: مشروع طائفي تدميري يهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية والسياسية للبلاد، عبر توزيع الأدوار:
- أحدهما يُقاتل باسم “الدولة”،
- والآخر باسم “الخلافة”،
لكن كلاهما يُقاتل من أجل نفس الهدف: محو التنوع، وإقصاء الآخر، وفرض هيمنة سلفية متطرفة.
ولا يمكن مواجهة هذا المشروع إلا بكشف التواطؤ، ورفض شرعنة الجولاني، ومحاسبة جميع الأطراف التي تُغذي العنف، سواء بسلاحها أو بصمتها.
ففي سوريا، الصمت ليس حياداً، بل شراكة في الجريمة.
ومن يُجنّب أمريكا الهجمات، ويُوجّه السكين نحو الكورد والدروز والعلويين،يعطي الدليل على أن هناك تنسيقا بين الجولاتي و داعش بموجبها يتجنبون الهجوم على القوات الامريكية كي لا تصدر منها أية ردود أفعال.


داعش لم تكن تهاجم أيضا على قوات نظام بشار الاسد ولا على المصالح الإيرانية في سوريا، ما تفسير ذلك؟ داعش سيطرت على مدينة الرقة بنفس السهولة التي سيطرت فيها على الموصل واستولت على معدات عسكرية هائلة في الرقة تركها الجيش السوري وراءه دون قتال مثلما حدث ذلك أيضا في الموصل! ما تفسير ذلك؟؟ قالت إيران بعد سقوط نظام بشار بايام قليلة انها ستعود إلى سوريا قريبا، وها هي قد عادت بواسطة داعش محاولة التمدد على حساب قسد و الدروز، لكنها لا تريد أن تغامر بالهجوم على القوات الامريكيةولا على قوات الحكومة السورية. لأنها تعرف ان ذلك يكون انتحارا عسكريا وهي ما زالت في مهدها.