في عام 1991، انطلقت القوات الأجنبية لضرب العراق من القواعد السعودية والخليجية، ولم تكن السعودية مجرد ممر عسكري، بل كانت شريكًا في تلك الحرب وفي فرض الحصار الاقتصادي على العراق لمدة 13 عاما.
وكانت المواقف السعودية من أكثر المواقف حدة على العراق، وهو ما أقرّ به صدام نفسه حين قال “إن الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية، هي من تحاصر العراق، وليس الامريكان”.
ثم تكرر المشهد عام 2003، حين انطلقت الطائرات والقوات الأجنبية مجددًا من الأراضي السعودية لإسقاط صدام في تعاون أمريكي سعودي واضح.
ولم يتغير الموقف العدائي السعودي ازاء العراق بعد 2003، حيث وقفت السعودية ضد النظام الجديد، وسهّلت عبر فتاواها وأجهزتها الأمنية دخول آلاف الانتحاريين السعوديين إلى العراق، لتفجير الأسواق والمدن وضرب الأمن.
وهو موقف يناقض تمامًا ما فعلته في سوريا بعد سقوط النظام هناك، حيث سارعت لتأمين مرتبات الموظفين، وضخ المليارات في البنوك السورية، وتوفير الدعم السياسي والإعلامي لنظام الجولاني.
اليوم، تعود السعودية إلى العراق من بوابة الاستثمار، وتحديدًا في صحراء السماوة، وهو موقف لا يمكن فصله عن مواقفها العدائية السابقة، فرغم امتلاكها أراض شاسعة داخل حدودها، وتقنيات متقدمة لتحلية مياه البحر واستخراج المياه الجوفية، بل وحتى تصنيع المياه من الهواء باستخدام التكنولوجيا الحديثة.
تسعى المملكة إلى اقتطاع مليون هكتار من الأراضي العراقية، ولمدة خمسين سنة، بذريعة أن هذه المناطق غنية بالمياه الجوفية وتصلح للاستثمار الزراعي.
وما يثير الريبة اكثر هو الاصرار السعودي على ان يكون هناك اطارا قانونيا يمرره البرلمان العراقي لهذا الاستثمار.
وليس واضحا ما اهمية ذلك طالما هناك قانون لحماية المستثمر، او هل ان هذا القانون يراد له ان يكون غطاءً سياسيًا لاتفاقية غير متوازنة تمنح السعودية امتيازات غير مسبوقة، كحق الاستحواذ على الأراضي ، وهناك تجارب سابقة مع السعودية تدفعنا إلى الحذر، فقد سبق لها أن استثمرت في أراضٍ يمنية مثل نجران وعسير، ثم ضمتها لاحقًا ورفضت إعادتها ، رغم كونهما أراضٍ يمنية خالصة.
ثم ان العراق اولى باستثمار خيراته، فإذا كانت المياه الجوفية في السماوة وفيرة بالفعل، فهي ثروة وطنية يجب أن تُستثمر لصالح العراقيين أنفسهم، لا أن تُمنح لدولة أخرى
الخشية كل الخشية من التواطؤ والخيانة، ففي زمن تُباع فيه السيادة، يُخشى أن تتمكن السعودية من شراء ذمم بعض السياسيين والمتنفذين، لتمرير قانون يمنحها أراضي عراقية، كما حدث سابقًا حين مُنح جزء من أرض البصرة للكويت بتواطؤ سياسيين.
لذا ان أهل السماوة مدعوون اليوم ليكونوا خط الدفاع الأول عن أرضهم، فحفظ الوطن لم يعد مهمة الدولة، بل مسؤولية المواطنين الذين يجب ان يقفوا بوجه اتفاقيات مشبوهة.
في الختام هناك سؤال يفرض نفسه: لماذا يتجدد موضوع الاستثمار السعودي مع كل انتخابات؟ في عام 2021، أُثير هذا المشروع، وها هو يُعاد طرحه اليوم مع اقتراب انتخابات 2025. هل هو مجرد صدفة؟
أم أن هناك من يسعى لتمريره في لحظة انشغال سياسي وشعبي؟

