عاشت الآمال… ثم ماتت. ويبقى الألم جوف قلوب الملايين من عالم الآقطاب، عالم لايعرف الرحمة، ولا يعير كارثة الحرب الروسية الاوكرانية اي اعتبار. انها ليست حرب نفوذ وطمع وطغيان فحسب، بل نهب ثروات الآخرين، ومحو الحدود وصولاً الى مربعات ومثلثات ومستطيلات جيوغرافية تتلائم مع قادة الاقطاب واجنداتهم الجيوسياسية والعسكرية.
كانت اتفاقية (مؤتمر يالطا) هي الاتفاقية الموقعة بين الاتحاد السوفيتي بزعامة ستالين وبين بريطانيا بزعامة تشرتشل والولايات المتحدة بزعامة روزفلت. وقعت هذه الاتفاقية في مدينة يالطا السوفياتية الواقعة على سواحل البحر الأسود عام 1945، ناقش المؤتمر كيفية تقسيم ألمانيا وكيفية محاكمة أعضاء الحزب النازي وتقديمهم كمجرمي حرب، بالإضافة إلى كيفية تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق كما رغبت بريطانيا والولايات المتحدة او إلى ثلاث كما رغب الاتحاد السوفيتي، ثم تقسم مدينة برلين بنفس الطريقة التي قسمت بها ألمانيا.
كان الهدف من المؤتمر هو تنظيم حالة السلم ما بعد الحرب (تحول من حرب حارة الى حرب باردة)، والذي لم يقتصر على تشكيل نظام الأمن الجماعي فقط، بل امتد ليشّكل خطة تقتضي إعطاء الشعوب المحرّرة من النازية الحق في تقرير مصيرها. (مسرحية سياسية شيوعية – رأسمالية اضحت حريات الشعوب فيها الى لاعب مفعول به خانع مطيع ومغلوب على أمرها).
والسؤال الذي يطرح على المتابع: “هل شعرتَ بفارق ما بين مؤتمر يالطا ومؤتمر الاسكا؟.
فمؤتمر “الاسكا” الذي اعد له سيناريو منذ اكثر من شهر من قبل المخابرات الروسية والامريكية ليبدو ان السلام او التعايش السلمي هو الهدف الاسمى لترامب الجشع وبوتين قيصر روسيا الجديد. لقد انتهى مؤتمر الاسكا كما انتهى مؤتمر يالطا الى توزيع المغانم بين القوى ذاتها التي حكمت العالم بعد الحرب العالمية الثانية. وهنا فاز ترامب الجشع بثروات اوكرانيا النادرة، وحصة بوتين القيصر كانت الحصة الاكبر تمثلت بالثروات والارض تمهيدا لاسترجاع باقي اراضي بلدان الشرق الاوربي كما كان عليه الاتحاد السوفياتي ايام ستالين.
في السياق ذاته نجد ان مؤتمر يالطا حمل شعار “الإمن الجماعي للعالم” يقابله اليوم شعار “السعي للسلام” الذي حمله لقاء ترامب – بوتين، والشعاران كلاهما لم ولن يحققا مضمونهما، بل الهدف كان ولايزال تقسيم “كيكة” السلام بينهما اضافة الى تهميش دور الاتحاد الاوربي وتسقيط “المخدوع زيلينسكي”.
وكما يقال في متن المقالات والتحليلات الديماغوغية لصانعي الاعلام الغربي ان مؤتمر “الاسكا” كان حدثا تاريخيا وإن لم يحق الاهداف المنشودة مفادها انهاء الحرب الروسية – الاوكرانية. اي مغالطة واي تمويه تلك التي تطرق سمع المغلوبين على أمرهم. فهل جانبَ اللقاء الحميمي الحار “جدا” بين ترامب وبوتين في مؤتمر الاسكا حقيقة ما يخفونه من نوايا خبيثة تداعياتها ستظهر غدا. وغداً سيكشف العالم المتحضر كم هو متخلف وعيا وادراكا لحقيقة ما سيؤول اليه العالم الجديد بقطبيه الامريكي والروسي.
ولنذكر انه وبعد اجتماع دام قرابة ثلاث ساعات، خرج الرجلان ليعلنا عن التقدم، لكنهما غادرا مؤتمرهما الصحفي المقرر دون توضيح ما حققاه بالضبط. أمرأً واحداً كان واضحًا: لم يتم التوصل إلى اتفاق، ووقف إطلاق النار الذي قال ترامب إنه يريده عند انتهاء القمة… لم يتحقق، إذ ألقى بشكل متزايد بمسؤولية “التوصل إلى اتفاق” على الرئيس الأوكراني المغرور المخدوع فلوديمير زيلينسكي. هذا ما صرح به ترامب مضيفا: “كان اجتماعنا مثمرًا للغاية، وتم الاتفاق على العديد من النقاط. لم يتبقَّ سوى القليل جدًا. بعضها ليس بتلك الأهمية. ربما يكون أحدها هو الأهم، لكن لدينا فرصة جيدة جدًا للوصول إليه. لم نصل إلى هناك، لكن لدينا فرصة جيدة جدًا للوصول إليه”. هذا وقد ازداد ترامب صلافةً عندما قال ان على اوكرانيا الموافقة على القبول بالشروط الروسية المتعلقة بالاراضي التي استولى عليها بوتين (ترضية لبوتين) مقابل سكوته عن المعادن الثمينة الاوكرانية لصالح الاستثمارات الامريكية.
اما عن بوتين. فأليك “المهزلة ” الثانية بعد تصريحات ترامب المبهمة. وبعد وصوله إلى الولايات المتحدة بفترة وجيزة، عبّرت ابتسامة بوتين وهو يطل من نافذة سيارة ترامب الليموزين عن كل شيء بعد سنوات من العزلة الغربية، وعاد الى موسكو كممثل لاقوى دولة على وجه الأرض، الامر الذي اعتبره الجانب الروسي نصرا سياسيا كبيرا لبوتين.
ختاما يمكن القول ان سيناريو اللقاءات بين القادة الروس والامريكان لم ينتهي بعد. فالعالم سيشهد قريبا اكثر من مفاجئة لا تتعلق بالحرب الروسية الاوكرانية فحسب بل ستمتد لتشمل القضية الفلسطينية والحرب الإيرانية الاسرائلية. ونحن على موعد مع الغد.


معلوم لمتابع الاخبار العالمية ان أمريكا في إدارة جو بايدن هي ليست نفسها في إدارة ترامب. جو بايدن كان له موقف متزمت شخصي مع بوتين لذلك كان يضخ بالاموال والاسلحة لاوكرانيا مع حلفا،ه في أوربا لارغام بوتين عسكريا على إنهاء حربه ضد اوكرانيا. اما ترامب الذي كان يصف بوتين بأنه “صديق” فقد تعهدت إدارته بعد عودته إلى السلطة بالسعي الى إنهاء الحرب بالوسائل السلمية وذلك بالتوافق بين الطرفين الروسي والاوكراني، وهذا ما يحدث حاليا. بالنسبة إلى مرضى أصحاب نظرية المؤامرة هي كالاتي، لو تدخلت أمريكا لانهاء الحرب سلميا لقالوا انها مؤامرة وان وراء ذلك اتفاقات سرية بين روسيا وامريكا لتقسيم كعكعة اوكرانيا بينهما، مشبها ذلك بمؤتمر يالطة عقب الحرب العالمية الثانية التي انهكت العالم لمدة ست سنوات لم يشهد العالم في تاريخه مثلها من خراب ودمار وقنبلتين نوويتين، ولم تكن حربا عادية بين دولتين اثنتين. في هكذا ظرف غير عادي لا نتوقع سوى عقد اتفاقية بين الطرفين المنتصرين المتحالفين مؤقتا السوفيتي والغربي لانهاء الحرب في أوربا لاسيما ان جيوشهما التقتا وجها لوجه في وسط برلين نفسها، فهل يدخلا في حرب بينهما ويدفعا العالم في اتون حرب عالمية جديدة، ام يعقدا اتفاقية توافقية بينهما لابعاد شبح حرب مدمرة جديدة؟ الخيار الثاني كان الأفضل لاوربا التي كانت قد تحولت الى انقاض. اما اعتبار ذلك مؤامرة على العالم، فهو منطق غير سليم و مدمر. جاءت في المقالة أيضا (ان العالم لا يعرف الرحمة، ولا يعير اهتماما بكارثة الحرب الروسية الاوكرانية اي اعتبار) ثم في آخرها (ابتسامة بوتين وهو يطل من سيارة ترامب الليموزين عن كل شيء بعد سنوات من العزلة الغربية) اذن كان هناك اهتماما بكارثة الحرب ولولا ذلك لما كانت روسيا تعاني من العزلة الغربية ولتركوها تلتهم أوصال اوكرانيا.