في زوايا الزمن الذي لا يرحم، حيث تتقاطع مصائر الشعوب على وقع الرصاص والوعود الكاذبة، يُعاد اليوم توزيع الأدوار على مسرحٍ اسمه “الانتخابات”، بينما لا يزال صوت المعتقلين في سجون الرعب يتردّد بين جدران المدن المنهكة. في الشمال الشرقي من سوريا، حيث رُسمت خارطة جديدة بالدم والكرامة، يقف مشروع ديمقراطي تعددي يرفض أن يكون مجرد فصلٍ في مسرحيةٍ مكتملة السيناريو. لا يُعلنون الرفض بغضب، بل بحزنٍ عميق، كأنهم يُذكّرون العالم بأن الدم الذي سُفِك لم يكن من أجل أن تُعاد كتابة التاريخ بقلم الحاكم القديم.
إن تأجيل النظام في دمشق لانتخابات في مناطق رقة والحسكة وسويداء ليس مجرد تكتيك إداري، بل هو تجديدٌ لعهد التهميش، تأكيدٌ على أن مشروعه لا يزال يرى في التنوع عيبًا، وفي الديمقراطية تهديدًا. ومن هنا، يخرج صوت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ليس بنداء استعطاف، بل بتحذير واعٍ: هذه الانتخابات لا تمثّل إرادة الشعب، بل تكرّس استبعاد نصف سوري عن وطنه. كيف تُجرى انتخابات بينما خمسة ملايين نازحٍ يُمنعون من العودة؟ كيف تُسمّى ديمقراطيةً بينما تُصنّف مناطقنا “غير آمنة” لتبرير إقصائنا، فيما نحن من أكثر الأراضي استقرارًا وأمانًا؟
إنهم لا يرفضون الانتخابات لمجرد الرفض، بل لأن ما يُقدَم اليوم هو استكمالٌ لسياسة استمرّت اثنين وخمسين عامًا من المركزية القمعية، من تهميش الأقليات، من إبادة الهوية. إنهم يذكّرون العالم بأن الثورة لم تكن من أجل تغيير الوجوه، بل من أجل تغيير النظام نفسه. وأن أي مسار لا يشمل الجميع، لا يُبنى على العدالة والمساواة والحرية، هو امتدادٌ للانهيار، وليس طريقًا للنهوض.
وفي زوايا السياسة الدولية، تبدأ لهجة واشنطن بالتغير. من “دولة واحدة وجيش واحد” إلى اعترافٍ خجول بضرورة “نموذج قريب من الفيدرالية”. لم يأتِ هذا التحوّل من وحي الإيمان بالحرية، بل من صرخات السويداء، ومن وعيٍ بأن من لا يحمي الأقليات لا يمكن أن يحكم. وترى العشائر العربية، التي عاشت ويلات الحرب، في قوات سوريا الديمقراطية ضمانة لكرامتها، فتُعلن: “نحن مع من يحمي كل المكونات، ولا نقبل بمشروع يُقسم الأرض أو يُذلّ الإنسان”.
أما في سجون صيدنايا، حيث لا تزال رائحة الدم تملأ الممرات، فقد كُشف الوجه الحقيقي للنظام: اعترافات حراس يحكون ببرودة عن تعذيبهم لبشر، عن إعدامات جماعية، عن جثثٍ تُرقم وتُدفن في الظلام. هذه ليست جرائم ماضٍ، بل شهادة حية على أن من يُقدّم نفسه اليوم كمُصلح، هو نفسه من بنى سلطته على الرعب.
إلى ذلك، تُفتح أبواب بغداد، ليس للسياسة فقط، بل للبحث عن نماذج نجاة. وترحل القوات الأمريكية بسرعة، ليس انسحابًا، بل تهديدًا، وكأنها تقول: “من يختار إيران، فليُواجه وحيدًا”. لكن التاريخ لا يُكتب بالتهديدات، بل بإرادة الشعوب. والديمقراطية لا تُفرض من فوق، بل تُبنى من تحت، بدماء الشهداء، ووعي العشائر، وصرخات المعتقلين.
بوتان زيباري
السويد
27.08.2025

