٣ تشرين الأول/أكتوبر… يوم الزي الإيزيدي التراثي ‎ – الشيخ صبحي نابو

 يعد الزي الإيزيدي تجسيداً مادياً لهوية ثقافية وروحية متجذرة ، تتجاوز وظيفته الظاهرية كلباس احتفالي لتعبّر عن ذاكرة جماعية ممتدة عبر التاريخ. فمنذ آلاف السنين، حافظ هذا الزي على مكانته كرمز مميز يعكس إنتماء أبناء الإيزيدية، بما يتضمنه من ألوان وزخارف تحمل دلالات رمزية ترتبط بالمنظومة الدينية والاجتماعية. وبهذا، لا يُنظر إلى الزي الإيزيدي بوصفه مظهراً خارجياً فحسب، بل باعتباره مرآةً لتراثٍ غني، ووسيلة لتوثيق الوعي الجمعي والخصوصية الثقافية لهذا المكون الأصيل.
ارتبط الزي الإيزيدي ارتباطاً وثيقاً بالطقوس الدينية والممارسات الشعائرية، فكان حضوره بارزاً في الأعياد والمناسبات الإجتماعية، كما شكل جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. وقد مثل هذا الزي تجسيداً ملموساً لعلاقة الفرد الإيزيدي بهويته الثقافية والدينية، بما تحمله من قيم ومعتقدات متوارثة. وعلى امتداد الزمن، ظل الزي الإيزيدي شاهداً على قوة الانتماء وصمود الهوية الجمعية، رغم ما واجهه الإيزيديون من محاولات طمس وتحديات وجودية.
اليوم، ومع تزايد عوامل الاغتراب والاندماج في مجتمعات المهجر، يبرز التحدي الأكبر: كيف نحافظ على هذا الزي التراثي وننقله للأجيال القادمة؟ من هنا جاءت المبادرة المباركة التي أطلقها عدد من الجهات والشخصيات الإيزيدية، لتكون خطوة عملية في تثبيت هذا الرمز في وجدان أبناء الإيزيدية .
فقد تم ،وبجهود مشتركة بين مجموعة خاتونا فخرا التراثية الدينية الإيزيدية، والمجلس الديني الإيزيدي، والهيئة التراثية والدينية الإيزيدية التابعة للاتحاد الدولي للجمعيات الإيزيدية المستقلة، والهيئة التراثية والدينية الإيزيدية لمركز شؤون الإيزيديين، وبالتشاور مع الباحث الإيزيدي الكبير فواز فرحان، والباحث سالم الرشيداني، والناشط الإيزيدي المعروف الأستاذ خضر الربيد، والأخ قاسم كاباري، وبالتنسيق مع عدد كبير من الجمعيات الإيزيدية في ألمانيا وخارجها (أستراليا، هولندا، فرنسا، أمريكا)، الإعلان عن اعتماد الثالث من تشرين الأول/أكتوبر من كل عام يوماً للزي الإيزيدي التراثي.
إن تخصيص هذا اليوم يحمل أبعاداً متعددة تتقاطع فيها الجوانب الثقافية والدينية والاجتماعية والدولية:
– ثقافياً: يسهم في تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتراثهم المادي والرمزي، ويُعيد إحياء مظاهر الهوية الإيزيدية في الوعي الجمعي.
– دينياً وروحياً: يُرسّخ حضور الزي الإيزيدي كعنصر أساسي في الطقوس والممارسات الدينية، لا سيما وأن هذا اليوم يسبق عيد “جماعية شيخادي”، أحد أبرز الأعياد الدينية لدى الإيزيديين، والذي يبدأ في السادس من أكتوبر ويستمر لمدة سبعة أيام متواصلة. وتجدر الإشارة إلى أن مجموعة “خاتونا فخرا” دأبت على الاحتفال بهذا اليوم منذ أربع سنوات في معبد لالش النوراني، ما يعكس البعد الروحي العميق لهذا الحدث.
– إجتماعياً: يوفر مساحة جامعة تلتف حولها الجالية الإيزيدية في الوطن والمهجر، مما يعزز من التماسك المجتمعي والإنتماء الجماعي.
– دولياً: يُقدّم صورة إيجابية ومشرقة عن غنى الهوية الإيزيدية وأصالتها، خصوصاً في ألمانيا التي تحتضن أكبر تجمع للإيزيديين خارج العراق، ويتزامن هذا اليوم فيها مع عطلة رسمية بمناسبة “عيد الوحدة الألمانية”، ما يمنحه بعداً احتفاليّاً إضافياً.
إننا نؤمن أن الثالث من تشرين الأول/أكتوبر لن يكون مجرد تاريخ في التقويم، بل محطة سنوية تذكرنا بجذورنا، وتوحد صفوفنا، وتؤكد أن هويتنا لا يمكن أن تُمحى ما دمنا نحمل تراثنا ونورثه لأبنائنا.
وبهذه المناسبة، ندعو جميع إخوتنا وأخواتنا، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، إلى المشاركة الفاعلة في هذا اليوم المبارك، من خلال ارتداء الزي الإيزيدي التراثي في كل مكان، ليبقى رمزاً جامعاً لوحدتنا وقوة إرادتنا، ورسالة فخر نبعثها من الوطن إلى كل أصقاع العالم.
الشيخ صبحي نابو ،رئيس المجلس الديني الإيزيدي.