الدیموقراطیة تنبع من حریة الطفل- د. عبدالباقی مایی

 

٢\١٠\٢٠٢٥

وفق نظریة داروین (١٨٠٩ – ١٨٨٢ ) یلد الطفل من أمه حرا و هو مجهز بجميع المقومات الضرورية الصالحة للبقاء علی قید الحياة و البحث عن مستلزمات التكيف و التطور، وذلك من خلال جیناته التی یرثها من أبویه حسب قوانين “مندل” فی الوراثة (١٨٢٤ – ١٨٨٤ ). ومن ضمن تلك المقومات الموروثة هو حب الإستطلاع  و الحركة و النشاط لإكتشاف المحيط من خلال التعرف علی البيئة المحيطة به والتعايش معها للإستفادة منها واستغلالها لمصلحته الخاصة الفردية من إجل الكفاح والنمو والتطور والبقاء. جميع حركات الطفل وبكاۆه و ضحكه وإبتساماته و صراخه و رفضه و رضاه أمام كل ما یتعرض له من محيطه من رۆیة و سماع و تشمم و تذوق وتحسس وتواصل ماهی إلا للتعبير عن حریته فی إختيار ما یرید أن یوصله إلی المحيط لكی یشبع فضوله و یلبی طلباته و ینفذ رغباته.

یتواصل الطفل مع محیطه من خلال تعبيره عن جميع رغباته و تبليغها لمحیطه دون أن يعرف مسبقا ما لهذا التعبير من تأثير إیجابی أو سلبي علی المحيط. بهذه الطريقة تكون إستجابة المحيط لنداء الطفل الخطوة الأولی لوضع الحدود لحریته من قبل أهله و ذويه أولا ومن ثم رفاقه و مدرسته ومحيطه. أی بمعني أن ذلك التعبیر الحر الذی یتحلی به الطفل منذ ولادته هو من أجل إشعار المحيط بطلبات و رغبات و أفكار ومشاعر وسلوك فردية تفرضها عليه جميع أعضاۆه حسب حاجتها للنمو و التطور ومن ضمنها تطور العمر العقلي مع العمر الزمني للطفل. هذه الإستجابة البناءة من قبل الأم والأب أولا، والمحيط القريب والبعيد بعدئذ، تنطلق من حریة الآخرين لوضع الحدود لتلك الحركات والطلبات والرغبات، فتجعل لجميع محاولاته إطارا يحافظ علی سلامته ویزوده بما يلزم لتحقيق حریته دون المساس بحریة الآخرين. ومن ضمن القوانين العلمية التی تفسر هذه الحریة وتأثیرها علی إستمراریة الحیاة لازالت نظریة داروین سارية المفعول.

إنطلاقا من واقعه الطبیعی يقوم محيط الطفل بوضع الحدود لحریة الطفل منذ ولادته عندما یحاول أن یستجیب لطلباته وفق شروط ذلك المحيط دون الأخذ بنظر الإعتبار كیفیة إستعمال الطفل لحریته فی الحركة والتواصل من أجل البقاء علی الحياة وكذلك ما یحتاجه الطفل فی تطبيق حریته من إجل النمو والتطور الملائم له. وهذا یعنی بأن المحيط ينطلق من واقعه فی فهم رغبات الطفل و تزويده بالرعاية والحماية، و السماح له فی بلوغ أهدافه من خلال تمتعه بالحرية التی توفر له الوراثة خلال جيناته. لذلك لا یمكن للمحيط أن يعرف ماذا یرید الطفل أن يحصل عليه من خلال حركته و نشاطه ماعدا الحصول علی الغذاء. أما التعبير عن الألم أو الحزن أو أیة مشاعر أخری. فهو لايفهم من قبل المحيط إلی أن یبلغ الطفل سن الثالثة من عمره، عندها یستطیع الطفل أن ببدأ بإستعمال لغة الأم للتواصل، حینذاك تبدأ عملية التعبير اللغوي لدی الطفل ویبدأ بإیصال ندائه بصورة مباشرة بحيث یستطیع المحيط أن يعرف لماذا يتخذ الطفل سلوكا معينا سواء” بالضحك والإبتسام تعبيرا عن الفرح والبهجة والراحة والإطمئنان أو بالبكاء للتعبير عن الإنزعاج و وصفه لسبب الإنزعاج مثلا”. فتتاح الفرصة للمحيط بأن يتجاوب مع هذا الطلب أو أن يبلغ الطفل بعدم إمكانيته الحصول علی كل شئ لأسباب قد لايفهمها فیستمر فی طلبه بعناد إلی أن تأتیه رسالة مقنعة تشرح له سبب عدم تزويده بهذا المطلب فیقتنع الطفل بتلك الرسالة ويشعر بالراحة والإطمئنان. هكذا يتعلم الطفل بأن كل حریة لديها حدودها التی لايمكنه تجاوزها وذلك لكی یتجنب الضرر لنفسه أو لكی لا یتجاوز حدود حریة الآخرین.

إذا أردنا أن نبني ديمقراطية راسخة، علينا أن نصغي إلى الطفل اليوم، ونحمي حقه في أن يكون حراً. فحرية الطفل ليست رفاهية بل هي الضمانة الحقيقية لمجتمع حر وعادل مبني علی مفاهيم الدیموقراطیة من جذورها.