سِرُّ القَلبِ الكُردِيِّ فِي مَهَبِّ الرِّيَاحِ التُّركِيَّةِ – بوتان زيباري

في رِحابِ هذهِ الأرضِ الممزوجةِ بالبُركانِ والزّيتونِ، تتجلّى حكايةُ سُلطةٍ أرادَت أن ترسمَ خَارِطَةَ الروحِ على مقاسِ إرادتِها، وأن تَنحَتَ وجهَ وطنٍ جديدٍ بأزمِلةِ الماضي. هُوَ القائدُ الذي استمَرَّ في العَرشِ لسِنينَ عِدادٍ، فغدا كالمؤسّسِ الأوّلِ، يُغيِّرُ وجهَ الكِيانِ من عِلمانيةٍ تَنحو للغَربِ إلى صبغةٍ شَرقيةٍ، مُحافِظةٍ، ذاتِ وَجهٍ سياسيٍّ إسلاميٍّ؛ مُستلهِمًا في آليّاتِ الحُكمِ ما ورِثَهُ عن سَلَفِه، ولكِنْ مُبدِّلًا للقيمِ والمَرامِي. إنّهُ يُصوِّبُ سِهامَ التوجيهِ الاجتماعيِّ نحو النّشءِ، سَعيًا لهَندسةٍ تبدأُ من القِمَمِ لِتَنزلَ إلى قاعِ التّفاصيلِ، تمامًا كفعلِ أيِّ حاكِمٍ يريدُ الانفرادَ بسُلْطَانِ الأمرِ والنَّهيِ.

ولكنَّ الحُكمَ في زمنِ الشَّعبِ ليسَ كالحُكمِ في عهدِ الجُندِ، فالوِلايةُ العامّةُ هي سِرُّ الاستمراريةِ، وإنْ شابَها الشَّكُّ، وطَعَنَتْها شُبهاتُ الخَرْقِ والمُخالفاتِ، فتبقَى النّتيجةُ المُرادَةُ إعلانَ قُدرةٍ مُطلَقةٍ، لا تَزِيدُ المُجتمعَ إلّا انقسامًا وتأجُّجًا. فالدولةُ باتَت خليطًا من التيّاراتِ والأفئدةِ، لا يستطيعُ أيُّ حَاكمٍ، مهما عَلا شأنُهُ، أن يُصمِّمَها على مِثالِ حُلمِهِ وحدهُ؛ فالمدائنُ السَّاحليةُ، وقُطْبُ الاقتصادِ، وأصحابُ الرّساميلِ العَلمانيةِ، كُلُّهُم يُعارِضونَ، كأنّها صَرخةُ الطبقةِ البُورجوازيّةِ الحُرّةِ التي يَنبضُ قلبُها بالليبراليةِ الغربيّةِ. هؤلاءِ يَصُدّونَ تيارَ الاستبدادِ بمَدِّ وعيٍ، فتركيا غدَتْ أضخَمَ من أن تُحَاصَرَ في رُؤيةِ شخصٍ واحدٍ، وأكثرَ تعقيدًا من أن تُدارَ بعصا السّلطةِ المُنفردةِ.

إنّ هذهِ الروحَ السياسيةَ في البلادِ مُتأصِّلةٌ في عِشقِ “الدّولةِ” حدَّ العبادةِ، فالدولةُ هي مَن بَنَتْ، والدولةُ هي مَن أغنَتْ، فكيفَ يجرؤُ ابنُ الطبقةِ الوسطى على مُعاندةِ مُنقِذِهِ ومُنشِئِهِ؟ لذلكَ، فإنَّ أصواتَ القَبولِ بالتّعديلِ لم تكُنْ بالضرورةِ تأييدًا للاستبدادِ، بل رُبّما كانت سُكوتًا عنهُ، ومُماشاةً لإيديولوجيةٍ تَرى في الحاكمِ صورةَ البَطلِ الضَّحيةِ، وهي الرّوايةُ التي أحيَتْها حادثةُ الانقلابِ الفاشلِ.

ولكنَّ هذهِ الولايةَ الضّئيلةَ تُبشِّرُ باستمرارِ اللّعبةِ الانتخابيّةِ، وتَدفَعُ الحاكمَ إلى مُراجعةِ سياستِهِ، فلعلَّ مُغازلةَ الأصواتِ الكُرديّةِ هي طوقُ النجاةِ من خَنقِ الاستقطابِ، وهو مَسارٌ قد يَحملُ الخَيرَ للاقتصادِ والأمنِ، ويُفَتِّحُ أبوابًا للمُناورةِ الإقليميّةِ. ومعَ ذلك، يبقى خَطرُ التَّوَحُّدِ معَ الذّاتِ السّلطويةِ قائمًا، فالزّعيمُ الذي طالَ بهِ العَهدُ باتَ هو الكِيانَ، وقد يَغلِبُ التَّبَرْمُجُ الإيديولوجيُّ على براغماتيةِ الحُكمِ.

في مَهَبِّ هذهِ الرّياحِ، يَتّجهُ بَعضُ الأبصارِ نحوَ الخارِجِ، نحو الجارِ الرُّوسيِّ المُعادي الذي يَدعمُ بعض القوى في الشَّامِ، مُهدِّدًا أمْنَ أنقرةَ القوميَّ، ونحوَ صِراعِ الهويّاتِ الذي يَجعلُ السّياسةَ الخارجيّةَ خادمةً للاستقطابِ الداخليِّ. إنّ القوميّةَ المُتطرِّفةَ ستَبقى سِلاحًا مَاضيًا لِضمانِ ولاءِ القواعدِ الرّيفيّةِ، ولكنْ في الأفقِ تلوحُ وُجوهٌ مُنشقّةٌ تُحاوِلُ لمَّ الشّتاتِ المُعارِضِ.

إنَّ نَصرَ الاستفتاءِ الضّئيلَ، رغمَ كلِّ العوائقِ التي وُضِعَتْ أمامَ حُرّاسِ القَلمِ والمُناضلينَ الكُردِ، هوَ شَهادةٌ على صُمودِ الوعيِ المدنيِّ الذي لم يَعدْ يَعتمدُ على قُوّةِ الجيشِ، بل على القَرَارِ الفَرديِّ؛ فالمُجتمعُ الذي رَفَعَتهُ الإنجازاتُ إلى طبقةٍ وسْطى، يَبْحثُ الآنَ عن حُرّياتِها، مُطالِبًا بوطنٍ يَتنفّسُ فيهِ النّصفُ حُرّيةَ الدّينِ، ويَتحرّرُ النّصفُ الآخَرُ من قُيودِهِ، وطنٌ تُصانُ فيهِ كرامةُ كُلِّ مواطنٍ، بما فيهِم نحنُ الأكرادَ، لتكونَ هذهِ الأرضُ مَحطَّةً للحُرّيةِ والوِفاقِ، لا مَصِيرًا للاقتتالِ المَشؤومِ. وهذا ما ينتظرُ بَزوغَ قَائدٍ يَعبُرُ بالنّاسِ إلى دولةٍ ليبراليةٍ، تحترمُ الرّوحَ الإنسانيّةَ الحُرّةَ.

 

بوتان زيباري

السويد