بعد تلاشى دخان المعارك الانتخابية، واعلان النتائج الأولية لانتخابات مجلس النواب العراقي، يبدو المشهد السياسي هادئا على السطح. لكن خلف هذا الهدوء الجميع يعيد ترتيب أوراقه استعدادا لمعركة جديدة، معركة اختيار رئيس وزراء جديد للعراق. وأبرز من تقدم إلى ساحة المنافسة حتى الآن هما رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
محمد شياع السوداني يدخل المنافسة وهو يحمل تجربة عدة اعوام من الإدارة الهادئة، ووجها إصلاحيا مقبولا لدى شريحة واسعة من الشارع. يمتلك خطابا متزنا وحضورا حكوميا لم يثر الكثير من الضجيج. ونجح إلى حد ما في التعامل مع الصراع بين الخصمين اللدودين إيران والولايات المتحدة، رغم أن بعض المراقبين يرون أنه أقرب إلى الولايات المتحدة، وهذه النقطة تحديدا قد تضعف فرصه في نيل ولاية جديدة؛ فالمعادلة العراقية تقول إن من لا يحظى بموافقة طهران لن يصل إلى رئاسة الوزراء.
في المقابل، يقف نوري المالكي بثقل سياسي يصعب تجاهله. خبرة طويلة، شبكة نفوذ متجذرة، وقدرة على إدارة التوازنات التي تحتاجها المرحلة المقبلة. قوته لا تأتي فقط من موقعه داخل الإطار السياسي الشيعي، بل أيضا من معرفته الدقيقة بخريطة اللاعبين المحليين والإقليميين. لكن مشاكله القديمة مع إقليم كوردستان، إضافة إلى خلافاته السابقة مع الولايات المتحدة، تجعل فرص عودته إلى رئاسة الحكومة أقل قوة، إذ من الصعب وصول أي مرشح إلى هذا المنصب دون تفاهم مع اربيل ودعم أو على الأقل عدم اعتراض من واشنطن.
المرحلة المقبلة لن يحسمها الشارع ولا التصريحات العلنية، بل شبكة التحالفات التي ستتشكل وفق حسابات معقدة تشترك فيها القوى السياسية والفاعلون المؤثرون خلف الكواليس. وإذا كان السوداني يتمتع بزخم حكومي وشعبية نسبية، فإن المالكي يتمتع بخبرة سياسية وقدرة تفاوضية واسعة، ما يجعل كليهما مرشحًا محتملا، مع واقع أن لكل طرف نقاط ضعف قد تخرجه من السباق في أي لحظة.
لهذا، تبقى التوقعات مفتوحة على احتمالات متعددة. قد يبقى السوداني إذا استطاع الحفاظ على صورة الاستقرار التي يمثلها، وقد يعود المالكي إذا رأت القوى المؤثرة أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شخصية ذات خبرة سياسية أوسع. وفي النهاية، ما سيحسم المعركة ليس اسم المرشح بل طبيعة التفاهمات التي تتجمع بصمت خلف الستار، وتقرر في لحظة ما من سيجلس على كرسي رئاسة الحكومة.

