الطفل و الإنترنت- د. عبدالباقي مایی

 

٣\١٢\  ٢٠٢٥

من الأمور التی یتصارع عليها الناس نتيجة للتطور التقني السريع فی العولمة المعاصرة هی كیفیة السيطرة علی إستعمال الإنترنت، خاصة فيما يتعلق بدخول الأطفال فی مخاطر عالم الإنترنت دون معرفة الوالدين أو خارج سيطرتهم. و بالرغم من مجئ الإنترنت كتقدم علمی إیجابی لخدمة الإنسان، حالها حال جميع المخترعاة العلمية، فإن هذا التطور الذی نراه فی عصرنا هذا یسیر بسرعة هائلة نحو الأمام وبتعجل ثابت نتيجة التطور العلمي الذی یحدث فی جميع الحقول العلمية الأخرى بالتوازي مع ما یحصل فی تقنية المواصلات. الأمر الذی یۆدی إلی مخاطر لا یمكن التكهن بها قبل الحدوث الفعلي لهذه الإختراعات والاكتشافات التی تجلب معها الملایین من الأرباح لدی الشركات العالمية المتعددة الجنسیات وهی عادة تعمل من أجل الربح لیس إلا، وذلك بعدم الإنتباه إلی المشاكل والعواقب الأخلاقية أو حتی القانونية التی لا تستطيع الإلتحاق بها نتيجة لسرعة تطورها من مرحلة إلی أخری وتنافس تلك الشركات فيما بینها من أجل الحصول علی براءة الإختراع و إحتلال الأسواق المربحة لها.

عندما طلب منی أحد أساتذة الإعلام فی جامعة دهوك تقدیم ندوة لكوادرهم الإعلامية من مختلف المراحل الأكادیمیة طاب لی المقام وفرحت لهذه الخطوة أن تأتی من الكوادر العلمية والأكایمیة لمناقشة معاناة الجيل الجديد فی التعامل الملائم مع الأطفال والشباب اللذين يقعون فی تناقضات الدعایة والإعلام حول كیفیة التفاعل مع الأطفال خاصة حین یلاقون صعوبات لكبح جماحهم أو فهم الحدود اللازمة لتطور سلیم للطفل من الناحية النفسیإجتماعیة.

هنا سألخص بعضا مما ورد فی الندوة من مناقشات. بعد معرفة عدد ومستويات الحاضرین فی الندوة من نساء ورجال، جميعم يفهمون  و یتحدثون ناللغة الكوردية، طلبت منهم ان ینطلقوا من واقعهم لإعطاء نماذج من الأسئلة والمشاكل التی تقابلهم فی حياتهم الیومیة مع موضوع الأطفال والإنترنت. فكانت الأسئلة التالیة مثالا” علی بعض من تلك  المناقشات:

كیف أجبر الطفل علی عدم إستعمال الإنترنت أو تحديد ساعات إستعماله للإنترنت أو السيطرة علی المواضيع التی يجوز للطفل إستعمالها فی اللعب بالإنترنت؟

یمكن تلخيص أجوبتی فی هذه النقاط الضرورية فهمها و إستعمالها فی التعامل مع الطفل حسب العمر طبعا”:

١- لیس من المنطق أن تمنع الطفل من إستعمال الإنترنت. لأن محاولة ذلك تجعل منك مستبدا فی دورك كأم أو أب أو معلم، وكذلك یۆدی بك ذلك إلی صرف طاقة هائلة و وقت طويل وأعصاب مرهقة دون أن تحصل علی نتيجة مقنعة، لأن الممنوع مرغوب، و الإلحاح فی الممانعة یۆدی إلی فقدان الطفل لثقته بك مما يجعله یخفی عليك ما یقوم به، فیعمل ما یرید فی الخفاء و یتعلم علی عدم الطاعة بدلا من الإلتزام بالروتينات و التعليمات السائدة فی العائلة بحكم الوالدين، أو فی المدرسة تحت إشراف المعلم.

٢- بدلا من المنع حاول أن تشارك الطفل فی لعبه بالإنترنت. فالطفل عادة یفعل ما يفعل الوالدان أو المعلم ولا یفعل بما يأمرونه به. عندما یلاحظ الطفل إنشغالك كأب أو أم أو معلم بالإنترنت یقلدك فی ذلك وإن كان فی الخفاء إذا منعته. ولكن إذا أظهرت للطفل إهتمامك به و إنتباهك له و رغبتك فی مشاركته یفرح الطفل لمشاركتك معه و یلتزم حينذاك بوضعك للحدود والتعليمات والشروط عندما تعطيه الوقت الكافي وتشجعه علی الإلتزام معك بذلك الوقت وبتلك الحدود التی ترسمها له. فالطفل يحتاج إلی وضع الحدود للشعور بالراحة والإطمئنان، وكلما أعطيت وقتك لطفلك یلتزم الطفل بشروطك وتعليماتك، و تشجيع الطفل و مدحه لیس مضرا أبدا، بل یفیده دائما فی عملية بناء الثقة بنفسه.

٣- لاتخفى شيئا” عن طفلك بل أخبره بوضوح دون تحوير للحقائق أو تزویر للوقائع أو كذب أو خداع. فالطفل يراك ويسمعك ویشعر بك ويفكر فیك سواء” أخبرته أو لم تخبره، فیلاحظك عندما تغضب أو تفرح أو تحزن ویخلق فی خياله تفسيرا لكل ما یراه و یسمعه فتتكون لديه صورة لما یحدث هی أكثر فضاعة و أكبر حجما و أشد إزعاجا من الواقع، لأن خياله أصغر من أن يكون محتواه فی مستوى الواقع. وعندما تشرح له الواقع علی حقيقته یحمل هذه الصورة فی خياله فتكون أهون عليه من هولها عليك أنت، فحاول أن لا تنطلق من خوفك عندما تری شيئا مخيفا فی الإنترنت وتتصور بأن طفلك يتولد لديه نفس الخوف الذی تشعر به أنت، بل خوفك إذا أخفیته عن طفلك هو الذی بسبب له القلق و الخوف الشديد، ویهون عليه الخوف عندما يراك باقیا” بجانبه و تخبره عما تراه بصراحة و وضوح وهدوء واطمئنان. و لا تنسى بأن الطفل يشعر بالذنب تجاه أی شئ سیئ یحدث حوله إذا أخفیت عنه الحقيقة. ولكن إذا حصل منك علی أجوبة صريحة و وقت كاف یستطیع تحمل الأمور أكثر من ما تتحمله أنت، لأنه یجعلك سندا له عندما يراك هادئا وموجودا رغم حدیثك المملوء بالمصائب والكوارث والبشاعة. فیتعلم منك الصبر والتحمل والوجه الإیجابی لكل شئ سلبي، سواء” فی الواقع الیومی أو فی الإنترنت.