من غزة إلى الزعيم: ما الذي ينجو بعد الكارثة؟
الاسم في هذا السياق: ليس مجرّد علامة تعريفية، ولا لفظًا يُستخدم للإشارة إلى شخص أو مكان، بل بنية رمزية مركّبة تختزن الذاكرة والمعنى معًا، وتبقى قابلة للاستدعاء حتى بعد سقوط المشروع أو انهيار السلطة. فالاسم، بتعبير بول ريكور، شكلٌ من أشكال الذاكرة التي تقاوم الإغلاق، وبحسب جاك دريدا أثرٌ لغويّ لا ينتهي بموت حامله، بل يستمر أو يُقصى تبعًا لقدرته على البقاء في التداول العام.
ومن الضروري، قبل المضيّ أبعد، التمييز بين الاسم والرمز والشعار. الرمز يحيل إلى معنى مكثّف أو متخيَّل، وقد يعيش في النصوص والصور حتى بعد زوال الواقع الذي أنجبه. أمّا الشعار، فهو صيغة خطابية مباشرة، تُستدعى في لحظة تعبئة، وقد تفقد قدرتها على التأثير بزوال الظرف السياسي الذي ولدت فيه. الاسم، في المقابل، ليس وعدًا ولا استعارة ولا أداة حشد؛ إنه ما يبقى قابلًا للنداء بعد انهيار الخطاب، وبعد أفول الرمز، وبعد سقوط الشعار. الاسم لا يُقنع ولا يُعبّئ بالضرورة، لكنه يرفض أن يُمحى.
لا تأتي الكارثة دائمًا بوصفها نهاية مغلقة، ولا تُنتج بالضرورة نصرًا واضحًا أو هزيمة نهائية. أحيانًا تعمل الكارثة كزلزال: تُسقِط، وتكسر، وتخلخل، لكنها تترك المعنى مفتوحًا. في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال الأهم: من انتصر ومن انهزم؟ بل: ما الذي نجا بعد الانهيار؟ وما الذي ظلّ قابلًا للقول، لا بوصفه دعاية أو تبريرًا، بل بوصفه حضورًا لغويًا حيًّا؟
تنقل غزة هذه المفارقة إلى مستوى جمعي عميق. هنا لا نتحدث عن قائد سقط وبقي شعاره، ولا عن رمز استُهلك في الذاكرة، بل عن اسم جماعي يُراد محوه من الجغرافيا واللغة معًا. لذلك يبدو سؤال: «هل انتصرت غزة أم خسرت؟» سؤالًا مضلّلًا، لأنه يفترض ثنائية حاسمة في سياق هو، في جوهره، مواجهة غير متكافئة وزلزالًا مفتوح النتائج.
فإذا كان المقصود بالنصر تحقيق الأهداف المعلنة، فإن الأقصى لم يتحرر بعد، والحلم لا يزال مؤجّلًا. وفي المقابل، ورغم حجم التدمير والقتل والتجويع، فشل الاحتلال في القضاء على المقاومة، أو نزع سلاحها، أو فرض التهجير، أو إغلاق الاسم. غزة، كما يصف جورجيو أغامبن المجتمعات الواقعة تحت الإبادة الرمزية، تُدفع إلى حافة «الحياة العارية»، لكنها تقاوم بمجرد البقاء. هنا يتقدّم الاسم على الرمز: ليس بوصفه شعار صمود، بل كحقيقة لغوية عنيدة لا تنطفئ.
واللافت أن نجاة اسم غزة لم تعد محصورة في الجغرافيا الفلسطينية، بل تمدّدت لغويًا وإعلاميًا إلى المجال العالمي. تحوّل الاسم إلى مفردة متداولة في نشرات الأخبار، وعناوين الصحف، وخطابات السياسيين، وبيانات المنظمات الدولية. والأهم أنه خرج من اللغة الرسمية إلى الفضاء الشعبي العالمي: يُهتف به في ساحات التظاهر، وتُرفع أعلامه في الملاعب، وتردده جماهير لا تنتمي لغويًا أو ثقافيًا إلى المكان، لكنها تستدعيه بوصفه اسمًا للظلم والمقاومة معًا. هنا لا تعود غزة مجرد موقع على الخريطة، بل اسمًا دخل التداول الكوني ونجا من محاولات العزل والتجريد.
ذلك البقاء الذي تحدّى كل ممارسات الإبادة، ومحاولات التهجير، وإفراغ الأرض من أهلها. والدليل الأوضح: لو وقفتَ في قلب غزة وناديتَ: «مَن هنا؟» لأتاك الرد فورًا: نحن هنا، أهل الأرض. ولو سألت في تل أبيب: مع مَن تتفاوضون؟ لجاءك الجواب: مع قادة المقاومة في غزة. بين السؤالين يتضح أن الشعب باقٍ، والمقاومة باقية، بينما النتيجة النهائية لم تُحسم. الاسم نجا، والحلم تأجّل، وبقي شعار «فلسطين من النهر إلى البحر» حاضرًا في الوجدان، لا بوصفه برنامجًا سياسي منجز، بل بوصفه اسمًا قابلًا للاستدعاء كلما فشل الإغلاق.
هذه المفارقة ليست جديدة في التاريخ العربي. ففي تجربة جمال عبد الناصر، شكّلت نكسة حزيران 1967 انهيارًا عسكريًا وسياسيًا عميقًا، لكن الهزيمة لم تُغلق المعنى. رحل عبد الناصر دون أن يتخلّى عن مشروعه، وبقي الاسم حاضرًا بعده لا بوصفه إنجازًا مكتملًا، بل أفقًا مؤجّلًا. تحوّل الاسم من سلطة إلى رمز، ومن تجربة منجزة إلى وعد لم يتحقق، لكنّه ظلّ قابلًا للنداء.
وفي حالة صدام حسين، تتعقّد المفارقة أكثر. سقطت الدولة تحت الاحتلال، وفشل الشعار المركزي في التحقّق، لكن الاسم لم يسقط لغويًا. في لحظة الإعدام، لم تخنه الذاكرة الخطابية، بل استدعى فلسطين والعراق في جملة أخيرة. فشل الواقع، لكن الخطاب استمر، وتحول الاسم إلى سردية ترى في التجربة مشروعًا لم يكتمل، لا ذكرى أُغلقت.
أما معمر القذافي، فيمثّل نموذج الحلم الفوضوي: خطابًا مقاومًا صاخبًا، واسعًا، لكنه مشتّت مفاهيميًا. دعم حركات التحرر وسعى إلى الوحدة، لكنه فشل في تحويل شعاراته، ومنها ما ورد في «الكتاب الأخضر»، إلى مشروع متماسك. ومع ذلك، لم يُغلق الاسم رمزيًا، ولا يزال يُستدعى في النقاش الليبي بوصفه احتمالًا مؤجّلًا. هنا أيضًا لم يمت الحلم، بل تعثّر.
في المقابل، يقدّم مثال حسني مبارك حالة مضادّة كاشفة. سقط النظام، وسقط معه الاسم. لم يتحوّل إلى رمز، ولم يُستدعَ بوصفه أفقًا أو وعدًا، بل أُغلق عليه باعتباره مرحلة انتهت. لم ينجُ الاسم، لأن المشروع لم يُنتج معنى يتجاوز السلطة، ولأن الخطاب لم يترك أثرًا قابلًا للحياة بعد السقوط.
يتّضح، بعد هذا العرض، أن الهزيمة لا تملك القدرة على إلغاء المعنى، ولا على قتل الاسم بوصفه البنية الأخيرة للذاكرة والقول. فالاسم لا يُدفن مع سقوط الجسد، ولا يُمحى بانهيار السلطة، ولا يُختزل في لحظة خبرية عابرة، لأنه يتجاوز الحدث إلى أفق التداول والاستدعاء. من غزة إلى تجارب الزعامة العربية، يظهر الاسم كأثر لغوي عنيد، يرفض الانطفاء، ويبقى قابلًا للنداء رغم فشل المشروع وتعذّر الإنجاز وتأجّل الحلم. وهكذا، حين يظن الخطاب الغالب أن كل شيء انتهى، يثبت الاسم أنه ما تفشل الهزيمة في قتله، وأن الحكاية لم تُغلق بعد.
كاتب وباحث ومفكر عربي

