إلى الشركاء في مَجَرى التاريخِ وضِفافِ الجغرافيا، نرفعُ إليكم هذه المذكرة المثقلة بآلامِ الحقيقةِ وعنفوانِ البقاء، وهي كلماتٌ لا يمليها العتبُ العابر، بل يفرضُها ظرفٌ مصيريٌّ زلزلَ أركانَ الثقةِ ولامَسَ جوهرَ الإنسانية. إنَّ ما قد يَتراءى لكم اليومَ من نبرةٍ حادةٍ في خِطابِنا، أو قسوةٍ في مَنطِقِنا، ليسَ إلا صدىً طبيعياً لمرارةِ التهميشِ الممنهج، وانعكاساً لوجعٍ كُرديٍّ عتيق تراكمَ عبرَ القرونِ ليتحوّلَ إلى غُصةٍ في حنجرةِ المدى. اعذروا اضطرابَ نبضِنا؛ فليسَ من الإنصافِ أن يُطالَبَ الضحيّةُ برهافةِ الحسِّ وهو يواجهُ إعصاراً من الإنكار، ولا أن يُلامَ المكلومُ على صرختِه أمامَ آلةِ إقصاءٍ إعلاميةٍ وسياسيةٍ لا تهدأ.
نحنُ شعبٌ جُبِلَ على العشقِ لا النفور، وآمنَ بالسلامِ كخيارٍ استراتيجيٍّ ونهجٍ وجوديّ، وما دفاعُنا اليومَ إلا ضرورةٌ أخلاقيةٌ لحمايةِ هويتنا من حملاتِ التحريضِ الممولة التي تسعى لتشويهِ عدالتنا. إنَّ استعادةَ حقوقِنا المشروعةِ لم تكن يوماً انتقاصاً من سيادتكم أو مَجْدكم، فمأساتُنا تكمنُ في أنَّ قضيتنا هي قضيةُ “وجود”، بينما جَعلتموها أنتم قضيةَ “جُحود”. لقد كنّا دوماً حماةَ الثغورِ وصُنّاعَ الحضارة؛ نحنُ الذينَ حَرّرنا “القُدسَ” فباعَها المتاجرون، وشيّدنا عروشَ الإمبراطورياتِ فخانتنا العهود، وساهمنا في بناءِ الدولِ الحديثةِ لنُكافأَ بالإقصاء، ونعيشَ كالغرباء في أوطانٍ سقينا تُرابَها بدمائنا.
إنَّ هذا الضجيجَ الخارجَ من صدورِنا ليس حِقداً، بل هو زفرةُ قلبٍ جريحٍ يرفضُ أن يكونَ صمتُكم جُزءاً من القاتل. لذا، فإنَّ تجاوزَ مآزقِ الماضي يفرضُ علينا شجاعةَ الاعترافِ المتبادل، وتحويلَ “المسألةِ الكوردية” من هواجسَ أمنيةٍ متخيلةٍ إلى ركيزةٍ أساسيةٍ للاستقرارِ الإقليمي. إنَّ الحلَّ يبدأُ بتفكيكِ خطابِ الكراهية، وإحلالِ مواثيقِ شرفٍ تضمنُ الحقوقَ الثقافيةَ والسياسيةَ ضمنَ فضاءِ المواطنةِ الحقة التي لا تُميزُ بينَ عِرقٍ أو لسان.
فلنخرجْ معاً من شرنقةِ الإنكارِ إلى رحابةِ الإقرار، ولنجعلْ من التنوعِ القوميِّ مَصْدَرَ ثراءٍ لا بؤرةَ صراع. إننا نمدُّ يدَ الحوارِ السياسيِّ القائمِ على النِدّيةِ والاحترام، مؤمنينَ بأنَّ استثمارَ المواردِ في التنميةِ والكرامةِ أجدى من هَدرِها في صناعةِ الخصومة. إنَّ التاريخَ لن يرحمَ المتفرجين، والمستقبلَ يُصنعُ الآن بكلمةِ حقٍ شجاعة تكسرُ قيدَ العزلة، لنتشارك جميعاً في بناءِ شرقٍ يتسعُ لكلِّ أبنائهِ تحتَ سقفِ العدالةِ والحرية.
بوتان زيباري
السويد
22.01.2026

