درس من الذاكرة ومعركةالحاضر – بقلم : محمد ديب أحمد 

ليس جديدًا على شعبٍ مثل الشعب الكردي أن يُقسَّم في خطاب أعدائه إلى فئات مصطنعة :
كرد انفصاليون إرهابيون ، وكرد جيدون حسب مقاسات السلطة الغالبة .
هذه ليست توصيفات بريئة ، بل أدوات سياسية خبيثة هدفها ضرب وحدة المجتمع من الداخل ، وتحويل الصراع من صراع وجود وحقوق إلى صراع داخلي عبثي .
في ذاكرتنا القريبة ، وفي واحدة من مناطقنا ، قصة حقيقية تختصر المعنى كلّه .
عشيرة الشيخان ، كغيرها من العشائر الكردية ، تضم أفخاذًا متعددة .
 حدث خلاف دموي مؤسف بين فخدي السرخوشات وشيخ عليان ،
قتل وثأر ، كما يحدث في مجتمعات كثيرة ، مهما كانت أسبابه .
لكن ما غيّر مسار الأحداث لم يكن الخلاف نفسه ، بل ما تلاه :
اعتداءات من بعض العرب البدو ، قتلوا من شيخ عليان ، وبقوا في ديارهم  ومراعيهم ، مستندين إلى القوة والعدد والسلاح ، وكأن الدم الكردي بلا ثمن .
هنا يبرز موقف لا يُنسى .
حمو خوجة ، رحمه الله ، الرجل صاحب الكلمة والموقف ، لم يسأل : من المخطئ ؟
ولا قال : هذا شأن داخلي .
ذهب إلى شيخ عليان بسلاحه ورجاله ، وقال في المضافة كلمته الفاصلة :
اليوم نحن أبناء عمومة ، ما يحلّ عليكم يحلّ علينا . بعد أن نُنهي أمر هؤلاء الغرباء نعود إلى ما كنا عليه .
خرجوا صفًا واحدًا ، وأطلقوا النار على المعتدين .
وفي اليوم التالي ، اختفت خيام العرب من الوجود .
ليس لأن الكرد أقوى عددًا ، بل لأنهم كانوا متكاتفين .
هذه القصة ليست حنينًا للماضي ، بل درسًا للحاضر .
اليوم ، الخطر الذي يواجه الكرد لا يفرّق بين فخذ وفخذ ، ولا بين حزب وآخر ، ولا بين “كردي جيد” و“كردي سيئ”.
الخطر يستهدف الأرض والهوية والكرامة معًا .
لكن أعداءنا بارعون في لعبة التسميات :
يشيطنون من يحمي أرضه وعرضه ، ويكافئون من يتخلى عن قوته وحقه .
يقولون لك :
الصراع ليس على وجودكم ، بل سياسي فقط .
وهذا كذب صريح ، وضحك على اللحى .
لو كان الصراع سياسيًا فقط ، لما استُبيحت القرى ،
ولا أُهين الشهداء ،
 ولا دُنِّست القبور ،
ولا جرى التفاخر علنًا بإذلال الكرد وتهميشهم .
المؤلم أن بعض الأصوات الكردية ، بأسماء معروفة تروّج لهذه الأكاذيب ، وتلعب بالألفاظ لتصنع شرخًا في وعي البسطاء ، وكأن المشكلة في من يدافع عن نفسه ، لا في من يعتدي .
العدو لا يقبلك لأنك “معتدل”، بل يقبلك فقط عندما تكون بلا جناح ،
عندما تكون شعبًا بلا قوة ،
عندما تكون مطيعًا ،
 متخليًا عن كرامتك وحقوقك .
عندها فقط تصبح كرديًا جيدًا على مقاسه ، لا يرى فيك إلا تابعًا أو عبدًا ذليلاً .
وما يجري اليوم من همجية وإهانات بحق شعبنا ليس سرًا ، بل يُمارس علنًا وبوقاحة ، ويتباهى به أصحابه .
فهل بعد هذا كله ما زال هناك من يصدّق أن المشكلة سياسية فقط ؟
الخلاصة واضحة ولا تحتمل التلاعب :
وحدتنا ليست خيارًا أخلاقيًا ،
بل شرط بقاء .
ونبذ الخلافات البينية ليس ضعفًا ، بل وعيًا بخطر الوجود .
كلنا في سفينة واحدة ، ومن يثقبها بحجة الخلاف أو المصلحة الضيقة ، يغرق معنا جميعًا .
التاريخ علّمنا ، لكن السؤال :
متى نتعلّم ؟