في السياسة التركية ، لا تُسرَّب الأخبار عبثاً .
وإذا تسربت ، فغالباً لأنها أُريد لها أن تختبر شيئاً ما :
ردّة فعل … مزاج شارع … أو استعداد خصم .
يُتداول حديث عن عفوٍ محتمل يشمل آلاف السجناء السياسيين الكرد .
وتتحدث بعض التقديرات عن أكثر من 4200 سجين رأي وسياسة ،
كثيرٌ منهم أنهى المدة المحكوم بها ، لكنهم ما يزالون رهن الاحتجاز ضمن آليات قانونية مشروطة ، تتطلب إعلان مراجعات فكرية أو ما يُسمّى «الاستتابة» .
وهو شرط يرفضه عدد من سجناء الرأي باعتباره مساساً بحقوقهم و بقناعاتهم السياسية ، لا إجراءً قضائياً بحتاً .
لكن حين نبحث عن النص القانوني ، لا نجد مرسوماً منشوراً .
وحين نفتّش عن قرار رسمي ، لا نجد سوى تحليلات وتساؤلات .
وهنا يصبح السؤال الحقيقي :
هل نحن أمام خطوة قانونية واضحة ؟
أم أمام جسّ نبض سياسي في لحظة دقيقة ؟
اللحظة ليست عادية .
السيد عبدالله أوجلان ، المعتقل منذ عام 1999 ، ارتبط اسمه مرات عديدة برسائل دعت إلى مسار سياسي بدلاً من المسار العسكري .
كما أن حزب العمال الكردستاني كان طرفاً في مسار تفاوضي سابق انتهى قبل أن يرى نتائجه .
في المقابل ، يقف في المعادلة السياسية التركية زعيم طوراني مثل دولت بهجلي ، رئيس حزب الحركة القومية ، المعروف تاريخياً بمواقفه المتشددة بل الإنكارية تجاه الكرد نهاهيك عن حقوقهم .
فإذا تغيّرت النبرة ،
وتقدّمت مفردات البرلمان والسياسة إلى الواجهة ،
وتزامن ذلك مع همسات عن عفو وانفراج ،
فمن حق الشارع الكردي أن يسأل :
هل تغيّرت القناعة … أم تغيّرت الحسابات ؟
ما نعرفه يقيناً أن شخصيات سياسية كردية ما تزال رهن الاعتقال رغم قرارات صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان طالبت بالإفراج عنهم ، وأن رؤساء بلديات منتخبين عُزلوا وحلّ محلهم أوصياء ، وأن قوانين مكافحة الإرهاب استُخدمت بتفسيرات واسعة طالت خطاباً سياسياً مشروعاً وفق معايير دولية .
هذه وقائع مثبتة .
أما العفو الجماعي ، فحتى هذه اللحظة لا يوجد نص رسمي يؤكده .
العفو في جوهره إجراء قانوني ،
لكنه في السياسة رسالة .
فإن كان حقيقياً ، فليكن واضحاً :
مرسوم منشور ،
إفراج غير مشروط ،
وإغلاق لملف المحاكمات السياسية .
أما إذا كان مجرد تسريب ،
فهو رسالة أيضاً …
لكنها رسالة اختبار .
والسياسة بطبيعتها براغماتية ؛
تتبدل لهجتها حين تتبدل مصالحها .
وهذا ليس عيباً بحد ذاته .
العيب أن يُطلب من طرفٍ واحد فقط أن يغيّر لغته ،
وأن يُطالَب شعبٌ كامل بأن يثق كل مرة من جديد دون ضمانات مكتوبة .
مربط الفرس :
ان الكرد ليسوا طارئين في هذه الجغرافيا ،
ولا وجودهم تفصيلاً تفاوضياً في بيان سياسي .
لكن الدفاع عن هذا الوجود لا يكون بالانفعال ،
بل بالوعي .
نحن شعبٌ يتوق إلى السلام ،
لكن السلام لا يُبنى على التسريبات .
ونؤمن بالسياسة ،
لكن السياسة لا تُختزل في اختبار ردود الأفعال .
إن كان هناك تحوّل حقيقي ،
فليُثبت بالنصوص لا بالنوايا ،
وبالقوانين لا بالتصريحات .
أما إن كان الأمر إعادة تموضع تكتيكي ،
فوعي الشارع الكردي كفيل بأن يميّز بين المبادرة والتمويه .
والتاريخ علّمنا درساً بسيطاً :
لا نرفض السلام ،
لكننا لا نوقّع على الأوهام .
بقلم : محمد ديب أحمد

