لطالما شكّلت إرادة الشعوب الركيزة الأساسية لأي مشروع سياسي أو وطني يسعى إلى تحقيق العدالة والحرية والاستقرار. غير أن هذه الإرادة، حين تُختزل أو تُوظَّف لخدمة أجندات ضيقة أو مصالح آنية، تفقد معناها الحقيقي وتتحول إلى أداة في صراعات لا تعبّر بالضرورة عن طموحات الشعوب نفسها. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تسييس إرادة الشعب الكوردي بوصفه أحد الأخطاء التاريخية التي أثّرت سلبًا على مسار قضيته العادلة، لیس فقط بعد تقسيم كوردستان بین أربعة دول نامية فی معاهدة سایكس-پیكو عام ١٩١٦، بل بسبب عدم نضوج إرادة الشعب لإختيار سياسته الخاصة التی توفر له وسائله فی ممارسة الحریة والإستقلال وفق عاداته و تقاليده التی تكون هويته الثقافية الخاصة به والتی تعتمد علی الوعي الذاتی لكل فرد فی المجتمع الكوردستانی بعد أن يكون شخصيته السليمة المبنية علی تربية حضارية بعيدة عن إستعمال الخائات الثلاث (الخوف والخجل والخطیئة)، لكی يعتمد علی نفسه فی تحمل المسۆولیة والإكتفاء الذاتی.
إن الشعب الكوردي، بتاريخ طويل من النضال والتضحيات، عبّر في محطات عديدة عن تطلعاته نحو الحرية والكرامة والاعتراف بهويته. غير أن هذه الإرادة الجماعية تعرّضت في كثير من الأحيان إلى التوظيف السياسي، سواء من قبل قوى داخلية سعت إلى تعزيز نفوذها، أو من أطراف إقليمية ودولية استخدمت القضية الكوردية كورقة ضغط في صراعاتها، أو كلاهما معا. فالإرادة الجماعیة للشعب لا تكفي لتوحيد الصفوف إذا لم يسبقها وعی فردی یتبنی المقاومة السلمية فی الشخصية السليمة التی تستطيع الإعتماد علی قواه المتوفرة لديه من طبيعة أرضه أولا و من ثم توریثه للجینات البیولوجیة والقیم النفسیإجتماعیة من الأجيال السابقة التی إستطاعت أن تنتج من تلك الطبیعة الغنية الخلابة قابليات خلاقة ملائمة لتدبير شۆونه وتلبية رغباته بصورة تلائم حاجاته و تساعده علی العيش والبقاء فی مقاومة الكوارث، طبیعیة كانت أو من صنع الإنسان تحت حكم التعسف والإحتلال.
تكمن خطورة تسييس الإرادة الشعبية في أنه يخلق فجوة بين القيادة والقاعدة، حيث تُتخذ القرارات باسم الشعب دون أن تعكس بالضرورة إرادته الحقيقية. كما يؤدي ذلك إلى إضعاف الثقة بين مكونات المجتمع، ويزيد من الانقسامات الداخلية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على وحدة الصف الكوردي وقدرته على تحقيق أهدافه المشروعة. إضافة إلى ذلك، فإن تحويل القضية الكوردية إلى أداة في التوازنات السياسية الإقليمية والدولية جعلها عرضة للتقلبات والتحولات، بحيث تُقدَّم التنازلات أحيانًا على حساب الحقوق الأساسية للشعب. وهذا ما أدى إلى تكرار خيبات الأمل في محطات تاريخية مختلفة، عندما تغيّرت المصالح وتبدلت التحالفات. لذلك لا یمكن لقادة سیاسیین أن یمثلوا إرادة الشعب فی إختيار أحزاب وأدوات مستوردة المصطلحات و المعنى وهم ليسوا أهلا لها لجعل السياسة فی خدمة الشعب وليس العكس.
إن تصحيح هذا المسار يتطلب إعادة الاعتبار لإرادة الشعب الكوردي بوصفها مصدر الشرعية الوحيد، بعيدًا عن التوظيف السياسي الضيق. كما يستدعي ذلك تعزيز الوعي الجمعي من تكوین الوعي الفردی كالذي يمارسه “عابر الأزمات نموذج روژئاڤا”، و ذلك عن طريق تكوین الشخصية السليمة للفرد كما یجری فی “ساخلهمخانا مهتین” فی باشور، وترسيخ ثقافة الحوار الذي یجری حاليا فی “روژههلات” منذ إندلاع الحرب فی ٢٨\٢\٢٠٢٦ بین إیران من جهة و الولايات المتحدة الأمریكیة بالتعاون مع إسرائیل من جهة أخری. یمكن تجمیع هذه المحاولات فی بودقة واحدة للإستمرار فی توحيد أرض و شعب و قوی كوردستان بعد أن تم إعلان وضع السلاح جانبا والإستمرار فی المقاومة السلمية فی “باكور”.
وفي الختام، فإن تسييس إرادة الشعب الكوردي لم يكن مجرد خطأ عابرا، بل كان انحرافًا في فهم جوهر القضية الكوردیة. والاعتراف بهذا الخطأ هو الخطوة الأولى نحو تصحيحه، وبناء مستقبل يستند إلى إرادة حرة غير مُسيّسة، قادرة على تحقيق تطلعات الشعب الكوردي في الحرية والكرامة والسلام.

