لنضع القاعدة أولاً :
الدول لا تتحرك بدوافع أخلاقية ، بل وفق مصالح .
لا جديد في ذلك …
الجديد هو هذا الإصرار على اختزال العالم إلى “صفقات”، وكأن العلاقات الدولية مجرد سوق مفتوح ، والشعوب وحدات قابلة للتداول .
في الحالة الكردية ،
يتكرر الخطأ ذاته ، لكن بصيغة أكثر فجاجة :
قوة تقاتل على أرضها ضد تهديد وجودي ، تتقاطع مصالحها مع قوة كبرى ،
فيُعاد تعريف هذا التقاطع لاحقاً على أنه “علاقة مدفوعة الثمن”.
بهذه البساطة… وبهذا القدر من التضليل .
التصريحات التي تتحدث عن “ثمن دُفع” ليست زلات لسان ،
بل تعبير صريح عن ذهنية ترى السياسة دفتر حسابات مغلق :
دفعات تُسجل ،
أدوار تُنفذ ،
وملفات تُقفل عند انتهاء الحاجة .
المشكلة هنا ليست أخلاقية فقط ،
بل تحليلية أيضاً
هذا النوع من التفكير يفشل في التمييز بين حالتين واضحتين :
الأولى :
طرف يُستأجر ليقاتل ضمن مشروع لا يعنيه .
الثانية :
طرف يقاتل لأنه إن لم يفعل ما أُملي عليه ، وبحساباتهم يفقد الدعم والاسناد ؛
الكرد ينتمون إلى الحالة الثانية .
وهذه ليست مسألة توصيف ،
بل واقع ميداني .
وكل محاولة لخلط الحالتين ليست خطأً بريئاً ، بل إعادة صياغة متعمدة للوقائع بما يخدم رواية جاهزة .
أحبتي وأعزائي من بني قومي ، إن من سقطوا في هذه المعارك ليسوا أرقاماً في تقارير ، ولا “تكلفة عمليات”، بل ضحايا معركة دفاع عن الوجود .
وهذا ليس خطاباً عاطفياً ، بل توصيف دقيق لمعنى القتال حين يكون البديل هو الفناء .
ونحن على حذر ودراية إن إعادة تقديم هذه التضحيات بلغة “العائد مقابل الخدمة” لا تختصر المشهد ، بل تلغيه … وهذا محال
في المقابل ، يُطلب من هذا الطرف نفسه أن يتصرف كقوة وظيفية ضمن استراتيجية لا يملك قرارها ، وأن ينسجم مع أجندات تتغير بتغير المزاج السياسي ، لا بثبات الوقائع على الأرض .
وهنا يظهر التناقض :
من جهة ، يُطلب التزام كامل ،
ومن جهة أخرى ، تُعرض “ضمانات” مرنة ، قابلة للتأويل… أو التراجع .
في السياق الراهن ، لا تأتي هذه المقاربة من فراغ .
فهناك محاولات واضحة لدفع قوى كردية ، لا سيما في كردستان إيران ، نحو الانخراط في مواجهات تتجاوز إطار الدفاع المباشر عن الأرض .
غير أن الرد الكردي كان عقلانياً وواضحاً :
لا انخراط في معادلات مفتوحة بلا ضمانات سياسية صريحة ،
ولا قبول بإعادة إنتاج تجربة سابقة تم فيها اختزال التضحيات بلغة “الثمن” و”المقابل”.
المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالميدان ، بل بالكرامة و بالذاكرة السياسية أيضاً —ذاكرة تعرف جيداً كيف يمكن أن تتحول التضحيات ، في لحظة خطاب عابر ، إلى “صفقة” في تصريح سياسي ، يُقاس فيها الدم بمنطق الربح والخسارة ، لا بمعناه الوجودي .
الرد الكردي على هذا النمط لم يكن انفعالاً ، بل موقفاً سياسياً محسوباً :
لا انخراط بلا وضوح ،
ولا التزام بلا مقابل سياسي حقيقي ،
ولا قبول بدور يتجاوز حدود الدفاع عن الأرض والوجود .
هذا ليس تشدداً ،
بل قراءة لتجارب سابقة دُفعت كلفتها غالياً .
ولفهم عمق هذه الكلفة ، لا يكفي النظر إلى ساحات القتال فقط ، بل إلى ما أنتجه هذا الصراع خارجها أيضاً .
الهجرة ، في هذا السياق ، لم تكن خياراً اقتصادياً لتحسين مستوى المعيشة ، بل كانت في كثير من الحالات قرار نجاة تحت ضغط أمني مباشر .
حين يصبح البقاء مخاطرة يومية ، تتحول الهجرة إلى امتداد للصراع ، لا خروجاً منه .
النتيجة ليست مجرد انتقال جغرافي ، بل تفكك في البنية الاجتماعية :
عائلات توزعت بين دول ،
روابط ضعفت تحت ضغط الغياب ،
وأجيال تنشأ بين ذاكرة لم تعشها بالكامل ،
وواقع لا تنتمي إليه كلياً .
هذه الوقائع لا تظهر في تقارير التحالفات ، لكنها تؤثر بشكل مباشر على أي قرار سياسي يُتخذ لاحقاً .
والسخرية هنا ليست من مبدأ المصالح ، بل من تبسيطها إلى حد السذاجة :
الاعتقاد أن كل شيء يمكن قياسه ،
وأن كل علاقة يمكن تحويلها إلى معادلة ربح وخسارة واضحة ،
وأن كل طرف يمكن إدخاله في خانة “شريك” أو “أداة” بحسب الحاجة .
هذا التفكير قد ينجح في إدارة صفقات قصيرة الأمد ، لكنه يفشل في التعامل مع قضايا وجودية .
لأن هناك عناصر لا تدخل في الحسابات التقليدية :
الكرامة ،
الهوية ،
والإصرار على البقاء .
هذه ليست شعارات ، بل محددات فعلية للسلوك السياسي ، خصوصاً لدى الشعوب التي دفعت كلفة عالية للحفاظ على وجودها .
لذلك ، الرهان على أن هذا الشعب يمكن أن يُدار بالتصريحات ، أو يُعاد توجيهه عبر ضغط سياسي أو إعلامي ، هو رهان قديم … وفاشل .
المعادلة تغيّرت :
من يدفع كلفة البقاء بهذا الحجم ، لن يقبل أن يتحول إلى أداة في مشروع لا يملك قراره .
وبيتُ القصيد كما يقال :
هناك طرف يقاتل لأنه لا يملك خياراً آخر ،
وطرف يتعامل مع المشهد كملف ضمن حزمة مصالح أوسع .
والتقاطع بين الطرفين ممكن ،
لكنه ليس مطلقاً ، ولا مفتوحاً بلا شروط .
وأي محاولة لتجاوزه نحو فرض دور وظيفي ، ستصطدم بواقع لا يمكن تجاوزه بالتصريحات .
أما فكرة أن “كل شيء له ثمن”، فهي مقولة ناقصة تُستخدم خارج سياقها .
لأن ما يُدفع في مثل هذه الحالات ليس ثمناً لعلاقة ، بل كلفة للبقاء .
وهذا فرق لا يمكن القفز فوقه … مهما كانت اللغة المستخدمة .
في الخلاصة :
ليست كل القضايا قابلة للتسعير ،
وليست كل العلاقات صفقات ،
وليست كل الدماء أرقاماً .
وهذه ليست مسألة خطاب …
بل حدود واقع .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

