د. محمود عباس: اللغة الكوردية بين النقاء والتذويب

من فمٍ إلى آخر، قد تتحول اللغة الكوردية من موسيقى عذبة تطرب لها الأذن، إلى صوتٍ نشاز تتأفف منه النفس. ولا يعود ذلك إلى اللغة ذاتها، فهي لغة رشيقة، دافئة، ومشحونة بذاكرة شعبٍ طويل العناء، بل إلى الطريقة التي تُنطق بها، وإلى مقدار ما بقي فيها من نقائها، أو ما علق بها من لغات الدول التي احتلت كوردستان، ولا سيما حين تُغرق في مستنقع الهيمنة العربية أو التركية أو الفارسية، فتفقد الكثير من صفائها وإيقاعها وروحها. وجميعنا يلاحظ عمق هذه الكارثة عند متابعة بعض الحوارات التي تُبث على القنوات الكوردية، سواء مع عامة الناس أو مع بعض السياسيين؛ إذ تبدو اللغة الكوردية أحيانًا مثقلةً بمفردات دخيلة إلى حدّ يفقدها ليس فقط صفاءها بل حقيقتها وإيقاعها الطبيعي، ويكشف حجم التراجع المرعب الذي أصاب حضورها اليومي والثقافي.

كثيرًا ما يُنتقد المهاجر الكوردي لأنه لم يتمكن من تلقين أطفاله لغته الأم، أو لأن أبناءه لا يعرفون منها إلا كلمات مكسّرة، ويُقال إن جيلًا أو جيلين كافيان لمحو أثر اللغة الكوردية من معظم العائلات المهاجرة إلى أوروبا وأمريكا. وهذه حقيقة مؤلمة. فالآباء والأمهات، رغم ضعف معرفتهم بلغة بلدان المهجر، يرضخون أحيانًا لهيمنة أطفالهم، فتغدو لغة البلد الجديد لغة البيت، وتنسحب الكوردية إلى الهامش. لكن في المقابل، ثمة حقيقة أخرى لا ينبغي تجاهلها، وهي أن الجيل الأول من المهاجرين استطاع، إلى حدّ ما، أن ينقّي جزءًا من لغته من الكلمات العربية التي كانت قد تسربت إليها بكثافة، وهنا أتحدث خصوصًا عن غربي كوردستان، فلكل جزء من كوردستان إشكاليته الخاصة مع لغة الأم ولغة المحتل.

أما في غربي كوردستان، فقد حدثت مفارقة لافتة. فشريحة واسعة من الجيلين اللذين سبقا التحولات السياسية الأخيرة تراجعت درجة نقاء لغتها الكوردية، باستثناء المثقفين والأدباء وبعض السياسيين الذين سعوا إلى الحفاظ على صفاء اللغة، بل وتمكنوا من تنقية كثير من المفردات والمصطلحات أثناء الحديث والكتابة. غير أن هذه الشريحة، على أهميتها، لم تستطع أن تحجب حجم الكارثة المنتشرة في المجتمع؛ فقد خسر الجيل القديم كثيرًا من نقاء لغته، بينما ظهر جيل جديد من الشباب على نوعين.

النوع الأول هو الجيل الذي درس وتخرج في المدارس الكوردية. هذا الجيل يتكلم بلغة كوردية نقية، جميلة، سلسة، ومبدعة، لا يملّ المرء من الاستماع إليها. يتحدثون بمصطلحات أدبية وسياسية واقتصادية كوردية دون تكلّف، وبنبرة طبيعية تثبت أن اللغة حين تُدرَّس أكاديميًا تتحول إلى وعي، لا إلى مجرد أداة كلام. ولا شك أن هذه واحدة من أهم الخدمات التي قدمتها الإدارة الذاتية، رغم كل الانتقادات التي وُجهت إليها تحت ذرائع متعددة: مرة باسم مستقبل الطلاب، ومرة باسم الخوف من تدمير ثقافة جيل كامل. لكن المنتقدين تجاهلوا أن تلك التجربة أسست لأركان لغة كوردية أكاديمية في غربي كوردستان، إلى جانب ما تحقق في جنوب كوردستان، مع خصوصية استخدام الحروف اللاتينية ودرجة أعلى من الصفاء في المفردات. وقد كتبتُ غير مرة مؤيدًا هذه الخطوة، وما زلت أعدّها من أروع الخطوات القومية التي ستدخل التاريخ بصفحة نقيّة، بعكس مواقف من عارضوها بخلفيات حزبية وحجج واهية. ومن المؤلم أن نقول إننا نحن الكورد كثيرًا ما نستلذ حين يُمنح لنا حقنا بمنطق السيادة والموالي، ولا نجد في ذواتنا الجرأة الكافية لممارسة حقوقنا كما نريدها نحن، لا كما يسمح بها الآخر.

أما النوع الثاني، فهو شريحة من الجيل الجديد الذي تخرج في مدارس النظام. هؤلاء، رغم ثقافتهم وتفوّق بعضهم، لا يختلفون كثيرًا عن آبائهم وأجدادهم في إغراق لغتهم الأم بالكلمات العربية، بل إن الكوردية عند بعضهم لم تعد سوى قواعد وجمل، أما المفردات فغالبها عربي. لقد استمروا في الدراسة ضمن منظومة اللغة العربية، فخسروا الكوردية الأكاديمية، وبالتالي أصبحوا أقل قدرة على خدمة اللغة الكوردية أو تطويرها أو حملها إلى المستقبل.

واليوم، مع تداول مسألة الاندماج، وصدور المادة الرئاسية رقم 13 بصيغة عامة لا تستند إلى ضمان دستوري واضح، ولا تُلزم بتعليم الطلاب الكورد بلغتهم الأم، يدور الحديث عن احتمال جعل اللغة الكوردية حصصًا اختيارية. وهنا تكمن الخطورة الكبرى. فإذا هبطت الكوردية من بعدها الأكاديمي إلى مادة هامشية اختيارية، أو حتى خُصصت لها مدارس منفصلة من دون إلزام واستمرارية من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة، ومن دون أن تكون لغة رسمية في المناطق الكوردية، مسنودة بالدستور، فإننا سنكون أمام عملية تذويب جديدة للغة الكوردية، ولكن هذه المرة تحت غطاء “حرية التعليم” و“الاعتراف الرسمي”. وهذه كارثة قد تكون أقسى من مرحلة الحظر المطلق، لأن الحظر كان واضحًا في عدائه، أما التهميش المقنّع فيأتي باسم الاعتراف.

الإشكالية أن معظم الأهالي لن يغامروا بإرسال أطفالهم إلى مدارس كوردية لا يضمنون استمرارها حتى الجامعة، ولا يعرفون مصير شهاداتها، ولا موقعها في بنية الدولة القادمة. وهي الحجج نفسها التي استُخدمت سابقًا ضد نظام التعليم في الإدارة الذاتية. لذلك، فإن أي اعتراف باللغة الكوردية لا يتحول إلى نظام تعليمي كامل، إلزامي، دستوري، ومتدرج من الابتدائي حتى الجامعة، سيبقى اعترافًا شكليًا لا يحمي اللغة، بل يضعها على طريق الذوبان البطيء.

لذلك، المطلوب من الحراك الكوردي، ومن اللجان التي ستحاور الحكومة المؤقتة، التمسك بنظام دراسي كوردستاني متكامل، والحفاظ على المدارس والجامعات القائمة حاليًا في غربي كوردستان، والمطالبة بإسنادها دستوريًا، بحيث تكون الدراسة باللغة الكوردية إلزامية في المناطق الكوردية، لا اختيارية، إلى جانب اللغة العربية كلغة ثانية. وربما يمكن اعتماد صيغة معاكسة أو مزدوجة في محافظة الجزيرة، وفق منطق الوطن المشترك والتعددية الحقيقية، لا وفق منطق الصهر والهيمنة.

لا شك أن كثيرين سينتقدون هذا المطلب بحجة أننا في موقع ضعف، لكن يجب ألا ننسى أن الحقوق الثقافية ومنها تعليم اللغة الكوردية كان من أهم مطالب جميع الأحزاب الكوردية في أصعب مراحل الصراع مع الأنظمة الدكتاتورية. فإذا كنا قد طالبنا به في زمن الحظر والقمع والسجون، فلماذا نتنازل عنه اليوم في مرحلة يُقال إن النظام فيها منفتح على مطالب الكورد؟

إن اللغة ليست مجرد حروف أو دروس أو حصص مدرسية، بل هي ذاكرة شعب، وشرط بقائه، وجسر عبوره إلى المستقبل. ومن يتنازل عن لغة أطفاله، يتنازل تدريجيًا عن حقهم في أن يعرفوا من هم، ومن أين جاؤوا، وإلى أي أفق ينتمون.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

24/4/2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *