لم تكن كركوك في ستينيات القرن العشرين مجرد مدينة نفطية تتوسط خريطة العراق، ولا نقطة عبور للقوافل أو محطةً في طريق الصحراء. كانت، بامتياز، مختبراً اجتماعياً حياً، تجربة إنسانية نادرة في منطقة تعرف كيف تصنع الخصومة أسرع مما تصنع الجيرة. كانت فسيفساء تتداخل فيها الهويات دون أن تذوب، وتتجاوزر دون أن تتصادم. لم يكن تعايشها ناتجاً عن وصاية الدولة أو قوانين صارمة، بل عن إرادة يومية عفوية، تكرست في تفاصيل صغيرة كالخبز والقهوة والأزقة الضيقة بين البيوت.
في تلك السنوات، كانت كركوك تحافظ على توازن هش لكنّه حقيقي. كانت البلاد تعيش على إيقاع تحولات سياسية كبرى- من عهد عبد الكريم قاسم إلى انقلاب عبد السلام عارف ثم حزب البعث- إلا أن كركوك ظلّت، ككائن حي، تطور آليتها الخاصة للتبريد الاجتماعي. لم يكن التوازن مفروضاً من فوق، بل منسوجاً من تحت، بخيوط الحرير اليومية: تحية الصباح، استعارة السكر أو السمن من الجارة، وموقف الباص الصغير الذي يأخذ الجميع إلى سوق الأربعاء.
هوية كركوك آنذاك لم تكن سؤالاً فلسفياً معقداً، ولا قضية تتصدر عناوين الصحف. كانت رواية متعددة الأصوات لا تحتاج إلى بطل واحد. العرب، والكرد، والتركمان، والآشوريون والكلدان، والأرمن، والصابئة- كلهم كانوا جزءاً من الجسد الكركوكي، ليس كجماعات تنتظر دورها في الحكم، بل كأعضاء حيوية تتنفس معاً. في الأسواق، كان التاجر البارع ينادي على بضاعته بثلاث لغات أو أربع، ليس تكلفاً في التظاهر بالانفتاح، بل فطرةً تجارية واجتماعية: من يريد الطماطم بلغة، ومن يريدها بأخرى، كلهم زبائن يجمعهم الرغيف.
في المقاهي الشعبية – كمقهى “عزاوي”، أو ” حسن عجمي”، أو “القلعة”، أو “المصلى”- كانت النرد والطاولة والدومينو يتداولها الرجال من خلفيات مختلفة، واللهجات تتجاور كفناجين الشاي على صينية واحدة. لم يكن أحد يشعر بالغربة، لأن المدينة بكاملها كانت تشبه باحة بيت كبير: فيها زوايا مختلفة، لكن السقف واحد.
إذا كان البيت يعلّم الانتماء الضيق، فإن المدرسة كانت تصنع الانتماء الواسع. لعبت المدرسة دوراً مركزياً في ترسيخ هذا التماسك، ربما أكثر من أي مؤسسة أخرى. كان الأطفال يجلسون على مقاعد خشبية واحدة، يكتبون بالعربية الفصحى، ويحفظون قصائد السياب والجواهري، لكنهم في الفسحة كانوا يتحدثون بالكردية أو التركمانية أو بالسريانية حسب من يلعب معه. لم يكن هذا تشويهاً للهوية، بل تمدداً طبيعياً للذات.
تعلم أطفال كركوك أن التاريخ الذي يدرّس في الصباح هو تاريخ عراقي، لكن الجدات في البيت يحكين حكايات أخرى. ولم يشعروا بتناقض، لأنهم عاشوا على أن الهويات طبقات فوق بعضها، لا جبهات في مواجهة بعضها. في الاحتفالات المدرسية، كانت الأهازيج والرقصات متعددة، يصفق لها الجميع، بغض النظر عن أصل الطفل الذي يقف على المسرح.
كانت أحياء كركوك – كحي “الأصلاح” و”المعلمين” و”القورية” و”عرفة” و “آلماس” و “رحيم آوه”، و “إمام قاسم”، و”تسعين” و”شاطرلو” و “المصلى” – مختبرات مكشوفة للتعايش. في حيّ واحد، كان الجامع يقف قبالة الكنيسة أو المقام الإيزيدي، وكان المؤذن يرفع الأذان، وتقرع الأجراس في توقيت قريب، في مشهد لم يكن يُرى كتنافر، بل كجزء من “بولي فونيا- أو تعدد اصوات” المدينة اليومية. لم يكن هذا تعدداً يتسامح به الناس، بل كان التعدد هو سياق الحياة الطبيعي الذي لم يعرفوا غيره.
الأعراس كانت استثناءً جميلاً من القاعدة. في العرس الكركوكي، كان الجار الكردي يشارك الجار العربي في تقديم القهوة، والجار التركماني يوزع السكّر، والجار الآشوري والكلداني يوزع المرطبات. وحين كانت الأم تقول “ولدي العريس”، كان الجميع يشعرون بأن العريس ابن الحي كلّه. لا تذكر كركوك القديمة أن عرساً اقتصر على طائفة واحدة. وكذلك المآتم: حين يموت أحدهم، كانت البيوت تفتح أبوابها، وتُقرأ الفاتحة بالعربية أو الصلاة المسيحية، وتُرفع الأيادي بحسب عادات مختلفة، والحزن كان واحداً، لا يحتاج إلى ترجمان.
الاقتصاد – بزعامة النفط – أسهم في خلق فضاء مشترك لا يقل أهمية عن الفضاء الثقافي. كانت شركة النفط (آي بي سي) ومصفاة كركوك وحقول بابا كركر نموذجاً للعمل الجماعي. العمال العرب والأكراد والتركمان والآشوريون والكلدان كانوا يتشاركون الخَبَر والخطر. في باطن الأرض، تحت الأنابيب الساخنة والمضخات التي لا تعرف القومية، كان التضامن الطبقي يصنع جسوراً أقوى من أي خطاب قومي.
الذهب الأسود كان يوحد الجميع، وكأس الشاي في الاستراحة كان قسمة مشتركة. من عمال النقل إلى المهندسين إلى عمال النظافة، كان هناك شعور ضمني: “نحن جميعاً كركوك”. وهذا الشعور لم يكن خطابياً، بل عملياً، لأن المصلحة في استمرار العمل والإنتاج كانت أسمى من أي خلاف يمكن تأجيله إلى ما بعد الدوام.
لكن هذا التماسك لم يكن أسطورياً أو خالياً من العيوب. لو نظرنا بصدق، سنكتشف أن التوترات كانت موجودة، كامنة تحت الرماد. كانت هناك لحظات احتكاك، وشتائم طائفية في سوق السمك، وعراك بين صبية من أحياء مختلفة. وكانت السياسات المركزية في بغداد تغذي بين الحين والآخر خطاباً قومياً حاداً، خصوصاً بعد انقلاب عام 1968. لكن ما ميّز كركوك في الستينيات هو قدرة مجتمعها على احتواء التوتر ضمن حدود ضيقة لا تهدد النسيج العام.
لم يكن هناك “عقد مدني” مكتوب، بل “عقد غير مكتوب” يقول: نعم، نحن مختلفون، وقد نتنافس، لكننا في النهاية جيران في الزقاق نفسه. كانت هناك مرجعيات مجتمعية – شيوخ، وجهاء، تجار كبار، رجال دين من طوائف مختلفة – يعملون خلف الكواليس لامتصاص الصدمات. في كركوك، كان الخلاف القبلي أو الإثني يُحلّ في غرفة خلفية في مقهى أو عند بيت أحد المعمّرين، قبل أن يصل إلى أي جهة رسمية.
إن استعادة صورة كركوك في تلك الحقبة ليست عملاً حنينياً، ولا هي تبرئة لذات المدينة مما حدث فيها لاحقاً من صراعات دامية. هي بالأحرى محاولة لفهم كيف يمكن لمدينة متعددة الهويات أن تبني تماسكها
ليس من خلال شعارات “الأخوة القومية” أو “الوحدة الوطنية”، بل من خلال تفاصيل صغيرة من الأسفل: معاملة حسنة في المخبز، صفعة حانية من مدرّس لم يفرق بين تلميذ وآخر، موقف حافلة لم يترك أحداً في المطر.
أثبتت كركوك في ستينياتها أن الهوية ليست جداراً يفصل، بل جسراً يمكن أن يربط – إذا وُجدت الإرادة الاجتماعية لذلك. وأن التعددية ليست عبئاً، بل مصدر غنى وقوة إذا ما أُحسن إدارتها على مستوى الحي والزقاق والسوق. لقد أدار المجتمع الكركوكي تنوعه بفطرةٍ وكياسة، قبل أن تأتي السياسات المتطرفة لتفكك ما نسجته الأيام.
اليوم، حين تعيش كركوك صراعات هوية، وتتنازعها مشاريع إقليمية ووطنية متضاربة، تبدو ستينياتها أشبه بـ (يوتوبيا مفقودة)، أو ذكرى جماعية لا تُصدّق. لكن الحقيقة أن تلك التجربة ليست مستحيلة التكرار. إنها تذكرة بأن الإنسان في هذا الجزء من العالم قادر، حين لا تُفسده السياسات التقسيمية، على صنع جيرته بنفسه.
كركوك التي وُلدنا فيها وترعرعنا لم تكن جنة مفقودة، بل كانت معلماً عملياً على أن العيش المشترك ليس حلماً، بل ممارسة يومية في استعادة هذا الدرس البسيط: أن نتعلم من كركوك ستيناتها، لا أن نكرر أخطاء عقودها التالية، وربما يكمن مستقبل مدن الهويات – في العراق، وسوريا، ولبنان، أو أي مكان آخر.

